بلا أضاحي وبدموع العجز.. اليمنيون يستقبلون العيد على عتبات الفقر والفاقة

2026-05-19 23:52 الهدهد/خاص:
بلا أضاحي وبدموع العجز.. اليمنيون يستقبلون العيد على عتبات الفقر والفاقة

"العين بصيرة واليد قصيرة".. بهذا المثل العربي الشهير الذي يضرب به عند العجز عن تحقيق أمر ما لقلة الحيلة أو نقص المال، يُلخّص التربوي سعيد الحزمي (54 عاما) وضع الملايين من اليمنيين ممن عجزوا عن شراء أضاحي العيد في بلاد تشهد صراعا منذ نحو 12عاما جراء انقلاب مليشيا الحوثي على الدولة ونهبها لرواتب الموظفين وتوقف غالبية الأعمال.

اعتاد سعيد وهو مُعلِّم منذ 31 عاما بأحد مدارس مدينة إب (وسط اليمن) الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي شراء رأس ماشية في عيد الأضحى من كل عام لكنه لم يفعل ذلك منذ 10 سنوات بسبب غلاء المعيشة الذي تشهده البلاد وانقطاع الرواتب.

في حديثه لمنصة "الهدهد" يقول سعيد "عشر سنوات بلا رواتب، جردتنا من القدرة على عيش أبسط تفاصيل الحياة، قديماً كان عيد الأضحى يملأ قلوب أطفالنا بالفرحة واليوم نقف عاجزين تماماً حتى عن التفكير في شراء الأضحية". 

بصوت مبحوح مليء بالحسرة والألم يتابع سعيد "يدق عيد الأضحى الأبواب هذا العام ليجدد في نفوسنا نحن المعلمين غصة القهر والعجز، فالعيد الذي كان يمثل بهجة وفرحة، تحول إلى عبء نفسي ثقيل يطاردنا في عيون أطفالنا".

واستطرد "عشر سنوات كاملة مرت علينا بلا رواتب، عقد من الزمن تحولت فيه مهنة التربية والتعليم -التي هي أساس بناء الأوطان- إلى رصيف للمعاناة والفقر المدقع".  مناسبة محزنة

يستدرك التربوي سعيد بالقول "كمعلم قضى عمره في تربية الأجيال، يؤلمني جداً أن أرى نظرات الخيبة في عيون أطفالي وهم يشاهدون أضاحي العيد تدخل بيوت الآخرين، بينما يمنعنا الفقر وعزة النفس حتى من السؤال".

يستذكر سعيد قبل انقطاع راتبه عندما كانت الدنيا بخير (قبل الانقلاب الحوثي على الدولة) كيف كان يوفر جزءاً من راتبه لشراء الأضحية، وكيف كانت الفرحة ترتسم على وجوه أولاده عند شرائه الأضحية (ماعز أو خروف) ويربطه في حوش منزله قبل العيد بيومين أو ثلاثة وكيف أصبح الحال خلال السنوات الأخيرة بعد توقف راتبه، وارتفاع أسعار الأضاحي بشكل كبير يعجز عنه الكثيرون، حد وصفه.

وختم التربوي حديثه بالقول "10 سنوات وجماعة الحوثي تنهب رواتبنا وتصادر لقمة عيشنا، حتى وصلنا إلى عجز تام عن شراء أضحية العيد. هذه الأزمة المفتعلة حوّلت العيد من مناسبة للفرح والشعائر الدينية إلى موسم متجدد للقهر والحرمان.

يؤلمنا جداً أن نرى أطفالنا ينتظرون كبش العيد، بينما نحن عاجزون حتى عن تأمين مصاريفهم الأساسية بسبب سياسة التجويع المستمرة وتوقف كل مصادر الدخل".

جيوب فارغة

ويحل عيد الأضحى، هذا العام ضيفا ثقيلا على كاهل اليمنيين بل أشد وطأةً من الأعوام السابقة، بينما تجد ملايين الأسر اليمنية نفسها على شفا مجاعة، فيما أصبحت طقوسه، التي كانوا يعيشونها من شراء أكثر من خروف للعيد وإعداد أصناف الكعك والحلويات، مجرد ذكريات.

وفي السياق ذاته "أمين سنان" عامل بالأجر اليومي، يشكو من وضعه المعيشي السيئ وقلة الأعمال ويقول "أكثر من 10 سنوات من النهب الممنهج للأقوات دمرت القدرة الشرائية في البلاد، وجعلتنا نقف عاجزين ومكسوري الخاطر أمام أطفالنا في العيد، فلا رواتب تُصرف للموظفين لتحرك السوق، ولا أعمال متوفرة تسد رمق الجوع".

في حديثه لـ "الهدهد" يضيف سنان "كنا قديماً نتدبر ثمن الأضحية بالكد والتعب، أما الآن فقد أغلقت في وجوهنا كل أبواب الرزق جراء تدهور الوضع المعيشي وتوقف المشاريع".

يتابع "نخرج من الفجر إلى الجولات والأرصفة نبحث عن عمل بالأجر اليومي، ونعود في معظم الأيام بجيوب فارغة بسبب الركود الاقتصادي والأزمة الخانقة".

وزاد "توقف الأعمال أفرغ جيوبنا، والجبايات الحوثية المستمرة خنقت الأسواق وضاعفت أسعار الأضاحي بشكل جنوني يفوق الخيال". متابعا "كمواطنين، أصبحنا نكافح فقط من أجل توفير وجبة اليوم الواحد، وأضحية العيد صارت حلما مستحيلاً، يمر علينا العيد وبيوتنا خاوية من البهجة ومن أدنى مقومات الحياة الكريمة".

وحسب سنان فإنه خلال السنوات الماضية تعود على شراء الدجاج بديلا عن الأضحية، كغيره من آلاف اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين انقطع مصدر رزقهم بتوقف الأعمال.

حال سعيد وسنان، هو مثال لملايين اليمنيين الذين لا يمتلكون ثمن الأضاحي، ويعتبرون العيد مناسبة مؤلمة، ذلك أنه مصدر همّ إضافي بالنسبة لهم، ويحل عليهم ثقيلاً ومضاعفاً للمأساة الملقاة على عاتقهم.

ارتفاع الأسعار وركود القوة الشرائية

ويشكو المواطنون من ارتفاع جنوني للأسعار في البلد الفقير، الذي يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية بالعالم، نظرا لتوقف غالبية الأعمال والجبايات التي تفرضها مليشيا الحوثي على التجار ورجال المال والأعمال والتي تنعكس سلباً على المواطنين.

ويسود ركود غير مسبوق في أسواق الأضاحي في معظم مناطق سيطرة الحوثيين مع ارتفاع أسعارها بشكل يفوق قدرات المواطنين، حيث بلغ سعر الأضحية للماعز من 80 ألف ريال إلى 200 ألف ريال، بينما الثيران تباع حسب الحجم والنوع من 800 ألف ريال إلى 1.7 مليون ريال.

تجار المواشي في محافظة إب أكدوا لـ "الهدهد" عزوف معظم المواطنين عن شراء أضاحي العيد هذا العام للأسعار التي أرجعوا سبب ارتفاعها إلى منع جماعة الحوثي استيراد المواشي من أثيوبيا وفرض جبايات باهظة على التجار.

ويعزوا تجار المواشي هذا الركود في معظم الأسواق اليمنية إلى تراجع القوة الشرائية لدى المواطنين مع انقطاع الرواتب وتوقف غالبية الأعمال، وتدهور الوضع المعيشي لدى المواطنين مع دخول الأزمة عامها الحادي عشر.

وفي أبريل الماضي قالت الأمم المتحدة إن اليمن لا يزال من بين أكبر بؤر انعدام الأمن الغذائي في العالم، في ظل استمرار الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية، ما يدفع بملايين السكان إلى مستويات حرجة من الجوع وسوء التغذية.

وبحسب التقرير الصادر حول الأزمات الغذائية 2026 عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) ضمن شبكة مكافحة الأزمات الغذائية، فإن اليمن يُصنّف ضمن الدول التي تشهد أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي الحاد على مستوى العالم.