من “الجنوب العربي” إلى “المناصفة”.. "باتيس" يفتح ملف المصطلحات التي مزقت اليمن ويدعو إلى “ثورة وعي”
دعا عضو مجلس الشورى اليمني "صلاح باتيس"، إلى إجراء مراجعة حقيقية وشاملة للمصطلحات والسرديات السائدة في الخطاب السياسي والإعلامي اليمني، محذراً من خطورة اختزال جغرافية وقضية البلاد في ثنائية "الشمال والجنوب".
وأكد "باتيس"، في ندوة حوارية نظمتها منصة "الهدهد" الرقمية عبر مساحة في منصة "إكس" أن حصر اليمن في هذين الاتجاهين فقط لا يخدم وحدة البلاد كما يعتقد البعض، بل يكرس مفهوم "الشطرية" والدولتين والمشروعين السياسيين المتصادمين، وهو ما يمنح مسوغاً لتقسيم الهوية الوطنية وتجزئة الجغرافيا اليمنية الواسعة.
وفنّد خلال ندوة "الهدهد" المعنونة بـ "الوحدة اليمنية والدولة الوطنية المنشودة"، المخاوف التي يطرحها البعض من أن الحديث عن جهات اليمن الأربع قد يؤدي إلى مزيد من التجزئة، قائلاً: "هذا فهم غير صحيح؛ فبالعكس، الحديث عن جهات اليمن الأربع هو اعتراف بأن اليمن واحد وكبير وممتد، بينما الحديث عن شمال وجنوب فقط هو حديث عن شطرين ودولتين".
وشدد على أن الثنائية الشطرية الحالية تسببت في "خلل حقيقي" في الفهم السياسي والسرد التاريخي، حيث أصبحت تعطي الحق لـ "عدد من اليمنيين أن يتحدثوا عن هذه الجغرافيا الطويلة الكبيرة العريضة كونهم جنوبيين، وتمنع أبناء اليمن الآخرين أن يتحدثوا عن هذه الجغرافيا كونهم شماليين".
وأكد أن اختزال اليمن في شمال وجنوب ليس صمام أمان ضد التقسيم، بل هو اعتراف ضمني بوجود مشروعين سياسيين منفصلين، وهو خلل استراتيجي يجب تداركه، مشدداً على ضرورة المراجعة بدءاً من الخطاب الإعلامي اليومي وصولاً إلى الخطاب الاستراتيجي الذي تتبناه الدولة، لضمان استعادة السردية الوطنية التي تحفظ لليمن وحدته وتنوعه الجغرافي والسياسي بعيداً عن تقديس التقسيمات التي أفرزتها صراعات الماضي.
ثورة وعي ضد "إرث الاستعمار"
عضو الشورى اليمني دعا كذلك إلى إطلاق "ثورة وعي" شاملة تهدف إلى إعادة صياغة السرديات والمصطلحات في الخطاب السياسي اليمني، محذراً من أن استمرار استخدام مصطلحات "الشمال والجنوب" يخدم مشاريع التجزئة ويضرب الهوية الوطنية في العمق.
وحث "باتيس"، الأحزاب والمكونات والباحثين ورجال الدولة على مراجعة قواميسهم السياسية، معتبراً أن "تركيب هذه المصطلحات في العقل الباطن اليمني يمثل خطراً استراتيجياً يهدد كيان الدولة".
وفي الوقت نفسه انتقد إصرار السياسيين، حتى المؤمنين منهم بالوحدة، على استخدام ثنائية "شمال وجنوب"، مقارناً ذلك بدول المنطقة؛ حيث قال: "لم نسمع في السعودية أو مصر أو تركيا من يتحدث عن بلاده كشمال وجنوب فقط، لماذا عندما نصل إلى اليمن نجد هذا الخطاب مسيطراً؟".
وأضاف: "يجب أن نقول اليمن وفقط، وإذا كان لا بد من تحديد جغرافي، فليكن الحديث عن جهات اليمن الأربع (شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً)، وذلك لتمييع وتضييع المصطلحات السياسية التي صنعها الاستعمار وتحويلها إلى جهات جغرافية لليمن الواحد الكبير".
كارثية مصطلح المناصفة
عضو الشورى "باتيس" هاجم مصطلح "المناصفة" الذي برز عقب مؤتمر الحوار الوطني، واصفاً إياه بـ "الكارثي"، موضحاً أن هذا المفهوم يحصر الحقوق والتمثيل في جزء جرافي محدد، أي عدن وما حولها، تحت مسمى "الجنوب"، بينما يتم تهميش وإلحاق المحافظات الشرقية لهذا الجزء قسراً.
وأكد أن البديل الوطني لهذه المصطلحات "الشطرية" يجب أن يكون مبدأ "الشراكة العادلة"، التي تضمن لكل إقليم ومحافظة حقها في الثروة والسلطة والقرار، بعيداً عن مفاهيم "النصف والتبعية" التي أثبتت فشلها في إنتاج استقرار مستدام.
خطورة السرديات
وفي بداية حديثه كان عضو الشورى "صلاح باتيس" قد حذر من خطورة الانسياق وراء السرديات والمصطلحات السياسية التي كرسها الاستعمار في اليمن، مؤكداً أن ثنائية "الشمال والجنوب" وما تلاها من مصطلحات مثل "الجنوب العربي" لم تكن سوى أدوات استعمارية لتمزيق النسيج الوطني وخدمة مشاريع صهيونية في المنطقة.
ودعا في قراءة استشرافية للتاريخ والسرد السياسي، إلى ضرورة فك الارتباط بالقاموس الاستعماري الذي "انطلى" على الساسة والمؤرخين اليمنيين، حتى بات الوحدويون منهم يرددون مصطلحات تكرس التشطير دون وعي بمخاطرها الاستراتيجية.
وأوضح أن الحيلة الاستعمارية نجحت في حصر "الشمال" في زاوية جغرافية تمثل ربع مساحة اليمن فقط رغم أنها تضم ثلاثة أرباع السكان، مقابل تسمية المساحة الأوسع (ثلاثة أرباع الجغرافيا) بـ "الجنوب"، وهو ما خلق خللاً في موازين القوى وصناعة القرار، وأدى لاحقاً إلى نشوء المظلوميات السياسية.
وشدد على أن التاريخ الحقيقي يؤكد عدم وجود مصطلح "شمال وجنوب" قبل مجيء الاستعمار، قائلاً: "الاستعمار البريطاني احتل مستعمرة عدن، وكانت هناك سلطنات ومشيخات في عدن وحضرموت وما حولها، وكل هذه الجغرافيا كان اسمها اليمن، ولم تكن هناك شطرية قبل أن يسوق لها الاستعمار وعملاؤه".
دولة الإمارات.. أداة وظيفية
وربط "باتيس" بين نشأة "اتحاد سلطنات الجنوب العربي" وبين تكوين دولة الإمارات، معتبراً أن الاستعمار البريطاني أراد اقتطاع السواحل العربية الممتدة من عمان إلى اليمن.
وقال "باتيس" إن دولة الإمارات كانت وما زالت مكلفة بهذا الأمر، كونها أداة وظيفية للاستعمار البريطاني الذي هو بدوره أداة للصهيونية العالمية"، مشيراً إلى أن المخطط كان يهدف لتمكين النفوذ الصهيوني من السيطرة على السواحل العربية، بدءاً بسواحل عُمان وصولاً إلى السواحل الشرقية والجنوبية والغربية لليمن (الساحل الغربي).
وشدد على ضرورة العودة للمحور الحقيقي المتمثل في "العدالة والشراكة"، مؤكداً أن تحرير السردية التاريخية من المصطلحات الاستعمارية هو الخطوة الأولى لاستعادة السيادة اليمنية الكاملة على الجغرافيا والقرار الوطني، بعيداً عن محاولات التجزئة التي تستهدف السيطرة على الممرات المائية والسواحل اليمنية الاستراتيجية.
الاستعمار وجذور الصراع
وعن الجذور التاريخية للصراع حول الهوية والمصطلحات في اليمن، أكد "باتيس" أن تسمية "الجنوب اليمني" ظهرت في الأصل كأداة نضالية لمواجهة مشروع "الجنوب العربي" الذي حاول الاستعمار البريطاني من خلاله نفي يمنية المناطق الجنوبية والشرقية.
وفي هذا الشأن شدد على أهمية "الغوص في الأعماق" لفهم كيف تشكلت هذه السرديات، محذراً من الاستمرار في تكريس تقسيم البلاد إلى "شمال وجنوب" في الخطاب المعاصر، معتبراً ذلك استكمالاً لخرائط استعمارية قديمة.
وأوضح أن بريطانيا سعت لجمع السلطنات والمشيخات تحت نفوذها بمسمى "الجنوب العربي"، وهو ما دفع القوميين العرب حينها لإعلان "الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل"، لإثبات أن هذه الجغرافيا جزء لا يتجزأ من اليمن.
وقال إن الخلل بدأ عقب استقلال 14 أكتوبر، عندما حاول البعض فرض مسمى "جمهورية اليمن الجنوبي"، وهو ما قوبل برفض واسع، خاصة من سلاطين وأبناء المحافظات الشرقية، في حضرموت وما حولها، الذين لم يعترفوا بمصطلح "الجنوب".
وأضاف: "لهذا السبب لم يصمد مسمى جمهورية اليمن الجنوبي سوى عام واحد، ليتم تعديله إلى "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" بحذف كلمة جنوب، كما سُمي الحزب الحاكم حينها بالحزب الاشتراكي اليمني ليشمل اليمن بأكمله".
إزاء ذلك حذر السياسي اليمني من سردية إعلامية وسياسية وصفها بـ "الخطيرة"، وهي التي تحصر الصراع بين "الحوثي في الشمال والانتقالي في الجنوب".
وقال: "هذا كلام لا ينبغي أن ينطلي علينا، فالحقيقة أن الانتقالي يتواجد في عدن والمناطق التي يسيطر عليها، أما الحوثي فهو مشروع يستهدف اليمن بأكمله ويتواجد في محافظات يمنية مختلفة، ولا يمثل الشمال".
كما انتقد "باتيس" مصطلح "الحوار الجنوبي الجنوبي"، مؤكداً ضرورة صياغة إطار أوسع يجمع "أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية" معاً لوضع حل آمن، بعيداً عن حصر الهوية في كلمة "جنوب" التي تمحي خصوصية الشرق اليمني وتطلعاته.
ولفت عضو مجلس الشورى إلى أن مصطلح "القضية الجنوبية" فُرض كأمر واقع في مؤتمر الحوار الوطني، بينما كان الأصل هو رفض أي توصيف يختزل الجغرافيا الممتدة من عدن إلى المهرة في مصطلح "الجنوب"، داعياً إلى ثورة وعي تعيد صياغة السردية الوطنية بما يحفظ حقوق كافة الأقاليم والمكونات بعيداً عن قوالب الاستعمار.
"لغم" في مسودة الدستور
إلى ذلك كشف "باتيس"، عن كواليس سياسية وصفها بـ "الخطيرة" تتعلق بزرع "ألغام تشطرية" في مسودة الدستور اليمني خلال مؤتمر الحوار الوطني، مؤكداً أن هناك أطرافاً سياسية تصر على استنساخ مصطلحات الاستعمار لاحتكار القرار ومنع اليمنيين من حقوقهم الوطنية بناءً على فرز جغرافي ظالم.
وأوضح، أن مصطلح "الشمال والجنوب" يُستخدم اليوم كأداة إقصائية، تُعطي الحق لبعض الأطراف في التدخل بمناطق واسعة كحضرموت والمهرة بذريعة "الجنوبية"، بينما تحرم يمنيين آخرين من ذات الحق بحجة أنهم "شماليون".
وفي شهادة لافتة، كشف عن تواصله مع الدكتور "إسماعيل الوزير"، رئيس لجنة صياغة الدستور، بشأن إدراج عبارة عن إقليمين في الجنوب وأربعة في الشمال، بين قوسين في مسودة الدستور، رغم الاتفاق على تجاوز هذه المصطلحات والاعتماد على الأقاليم الستة وهي "الجند، سبأ، آزال، عدن، حضرموت، تهامة".
ونقل عن الدكتور الوزير قوله: "والله يا ابني إنني غير موافق على ذلك، وأرى أن هذا لغم خطير لا ينبغي أن يتم"، موضحاً أن هذا النص وضع كشرط من أحد المكونات السياسية، التي رفضت التوقيع بدون هذا القيد، لإعادة تثبيت السردية الشطرية داخل الدستور الاتحادي الجديد.
وقال متسائلاً "لماذا يحق لعيدروس الزبيدي أو أبو زرعة المحرمي التدخل في حضرموت والمهرة تحت مسمى "الجنوب"، بينما يُمنع ابن تعز -وهي جغرافياً في جنوب اليمن- من ذلك بدعوى أنه "شمالي"؟ هذا منطق لا يوجد في أي دولة بالعالم".
تزوير الجغرافيا
إلى ذلك انتقد السياسي اليمني "باتيس" ما وصفه بـ "الجغرافيات الظالمة" التي حشرت غالبية اليمنيين في زاوية صغيرة وأطلقت عليهم "شمال"، بينما منحت صفة "جنوب" لثلاثة أرباع مساحة البلاد. وضرب مثلاً بمحافظة تعز، مشيراً إلى أنها تقع جغرافياً في "جنوب اليمن"، لكن السردية السياسية صنفتها "شمالاً" لإخراج أبنائها من دائرة التأثير في المحافظات الشرقية والجنوبية.
وأضاف: "عندما سألت أحد قادة الحزب الاشتراكي الكبار عن جدوى الإصرار على "الجغرافيا الجنوبية" رغم الاتفاق على الأقاليم، كان رده: المهم حافظوا عليها جنوباً، هذا الإصرار يعكس استراتيجية قديمة تهدف لضمان بقاء مشروع التشطير حياً تحت مسميات مختلفة".
ودعا بالتشديد على ضرورة كسر هذا المخطط عبر اعتماد لغة جغرافية وطنية شاملة، قائلاً: "إذا أردنا ذكر الجنوب والشمال، يجب ذكر الشرق والغرب والوسط أيضاً.
وأكد أنه يجب أن يعرف كل طرف حجمه وموقعه الحقيقي، وأن تنتهي لعبة اختزال اليمن الكبير في شطرين، لأن اليمن واحد بجغرافيته الواسعة وتنوعه الكبير، ولا يحق لأي مكون احتكار مساحات شاسعة تحت مسميات استعمارية".
الهوية الجنوبية.. مصطلح مزيف
وقال إن كثيراً من الأزمات التي تشهدها الساحة اليمنية تعود إلى ما وصفه بـ"تكريس الشطرية والمناصفة" في الخطاب السياسي، داعيا إلى إعادة صياغة المفاهيم المتداولة بشأن القضية الجنوبية وبنية الدولة اليمنية.
وفي هذا الجانب أوضح أن توصيف القضية بوصفها "قضية جنوبية" يمثل اختزالاً غير دقيق، معتبراً أن الحديث ينبغي أن يكون عن "قضية المحافظات الجنوبية والشرقية"، إلى جانب قضايا أخرى قائمة، مثل قضية تهامة وقضية المناطق الوسطى، مؤكدا أن اليمن اليوم يضم "أكثر من قضية"، ولا يجوز حصر الحل السياسي في ملف واحد بوصفه القضية المحورية الوحيدة.
وانتقد ما قال إنه تراكم لمفاهيم سياسية وإعلامية تبدأ بالحديث عن "القضية الجنوبية"، ثم "الحوار الجنوبي الجنوبي"، و"المكون الجنوبي"، وصولاً إلى تكريس توصيفات تعيد إنتاج "المشروع الاستعماري التشطيري لليمن"، بحسب تعبيره.
وأضاف أن هذه السردية تؤدي إلى عزل شريحة واسعة من اليمنيين عن المشاركة في معالجة ما توصف بأنها "قضية محورية وعادلة"، رغم أن آثارها تمس البلاد بأكملها.
الصوت الحضرمي
وأشار باتيس إلى تصاعد ما وصفه بـ"الصوت الحضرمي"، معتبرا أنه جاء ردة فعل على إصرار بعض القوى على إدراج حضرموت ضمن إطار "الجنوب"، رغم أن أبناءها – وفق قوله – يعتبرون أنفسهم جزءا من "شرق اليمن" وليس "الجنوب".
وقال إن تبني الهوية الحضرمية بهذا الشكل يعني عمليا سقوط مفهوم "الهوية الجنوبية"، التي وصفها بأنها "مصطلح وهوية مزيفان"، مؤكداً في الوقت نفسه احترامه للتاريخ السياسي والاجتماعي لمحافظات عدن ولحج وأبين والضالع وردفان، ورفضه لأي فهم قد يُفسر حديثه بوصفه انتقاصا من هذه المناطق.
وشدد على أن الخلاف يتمحور حول المصطلحات السياسية لا حول مكانة المحافظات أو تاريخها، مضيفا أن أبناء المحافظات الشرقية يرفضون توصيفهم كجزء من "الجنوب"، ويتمسكون بهويتهم بوصفهم جزءا من "شرق اليمن".
ودعا باتيس إلى إعادة ضبط الخطاب السياسي والمصطلحات الجغرافية في اليمن، موضحاً أن توصيفات الجهات ينبغي أن تكون أكثر شمولا ودقة، بحيث لا يُختزل اليمن في ثنائية "الشمال والجنوب" فقط، بل يشمل الشرق والغرب والوسط أيضا.