خنق إيران اقتصادياً.. هل يغيّر قواعد المعركة مع الحوثيين في اليمن؟

أ.د. عبدالوهاب العوج

هل يستطيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إخضاع إيران بالضغط الاقتصادي بدلاً من الدخول في حرب عسكرية مفتوحة؟ يبدو أن واشنطن تتجه بصورة متزايدة نحو اختبار هذه المعادلة حسب صحيفة وولستريت جورنال، وذلك عبر ضرب شرايين الاقتصاد الإيراني: النفط، والتحويلات المالية، وشركات الواجهة، والأسطول الشبح او اسطول الضل كما يسمى، وخنق شبكات إعادة التصدير، وصولاً إلى بوابة رئيسية طالما استخدمتها طهران للالتفاف على العقوبات الا و هي "دبي". وتكتسب الخطوة الإماراتية الأخيرة أهمية استثنائية، بعدما أعلنت أبوظبي وقف التجارة والمعاملات المالية مع إيران، الأمر الذي يهدد واحدة من أهم القنوات التجارية والمالية التي اعتمدت عليها طهران. فالمشكلة بالنسبة لواشنطن لم تعد مجرد بيع إيران للنفط، وإنما قدرتها على تحويل عائداته إلى أموال قابلة للاستخدام، ثم استخدامها لشراء السلع والمعدات وتمويل شبكاتها الإقليمية، ولهذا فإن استهداف دبي قد يكون أكثر أهمية من استهداف منشأة إيرانية واحدة؛ لأنه يستهدف شبكة كاملة تمتد من النفط والناقلات إلى البنوك والوسطاء وشركات إعادة التصدير. هل ينجح الخنق؟

نجاح الاستراتيجية الأمريكية ممكن، لكنه ليس مضموناً، و إيران اعتادت العقوبات وطورت اقتصاداً موازياً يعتمد على الوسطاء والتهريب وشركات الواجهة والأسواق الآسيوية، ولذلك فإن إغلاق قناة دبي سيؤلم طهران بشدة لكنه لن يعني بالضرورة انهيارها، فالمعيار الحقيقي لنجاح ترامب هو: هل يتحول الضغط الاقتصادي إلى تنازل سياسي إيراني؟

إذا تراجعت عائدات النفط، وارتفعت تكلفة التجارة والتحويلات، وضعفت العملة، وصعب تمويل الواردات، فقد تصبح القيادة الإيرانية أمام خيار التفاوض.

أما إذا تمكنت طهران من تعويض خسائرها عبر الصين وشبكات التجارة غير الرسمية، فقد تتحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة. وهنا تظهر أهمية الصين والأسواق الآسيوية باعتبارها الاختبار التالي بعد دبي. أين يدخل الحوثيون في المعادلة؟ هنا تصبح المسألة أكثر أهمية بالنسبة لليمن.

فإضعاف إيران اقتصادياً لا يمكن فصله عن وضع ميليشيا الحوثي؛ لأن إيران تمثل أحد أهم مصادر الدعم العسكري والسياسي والتقني للحوثيين، فيما يمثل البحر الأحمر وباب المندب ورقة ضغط إيرانية–حوثية منخفضة التكلفة وعالية التأثير.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الحوثيين يعيدون رفع مستوى التهديد للملاحة في البحر الأحمر، بالتزامن مع تصاعد المواجهة الإقليمية. كما أن تقارير حديثة تتحدث عن تصاعد التهديد الحوثي للملاحة بالقرب من باب المندب والساحل الغربي اليمني، وهنا يمكن أن تصبح اليمن جزءاً من حرب الشرايين بين واشنطن وطهران.

فإذا تعرضت إيران لخنق اقتصادي متزايد، فقد تحاول استخدام الحوثيين لرفع كلفة الضغط عليها من خلال تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب. لكن هذه الورقة تحمل خطراً مزدوجاً على الحوثيين أنفسهم، فالضغط على إيران قد يضع الحوثيين أمام خيار صعب إذا نجحت واشنطن وحلفاؤها في خفض الموارد الإيرانية، فإن قدرة طهران على تمويل وتسليح حلفائها ستتأثر بالضرورة، وإن كان حجم التأثير وسرعته غير محسومين. وهذا قد يعني:

تراجع التمويل الخارجي، صعوبة الحصول على بعض المعدات، ارتفاع تكلفة تهريب السلاح، وزيادة الضغوط على قدرة الحوثيين على مواصلة التصعيد الإقليمي، لكن الحوثيين قد يحاولون تعويض ذلك بالاعتماد بصورة أكبر على الموارد المحلية، وفرض الجبايات، والسيطرة على التجارة، وتوسيع الاقتصاد غير الرسمي. ومن ثم فإن الخنق الاقتصادي لإيران لا يعني سقوط الحوثيين تلقائياً، لكنه قد يغيّر بيئة قدرتهم على الاستمرار والتوسع. وماذا عن المعركة داخل اليمن؟ هنا قد تحدث نقطة التحول.

إذا تزامن الضغط الاقتصادي على إيران مع تشديد الرقابة على تهريب السلاح والتمويل، ومع استمرار الضغط العسكري والسياسي على الحوثيين، فقد تصبح الجماعة أمام معادلة أكثر صعوبة.

فالحوثيون يملكون قوة عسكرية حقيقية تنامت خلال عقد من الزمن وكذلك قدرة على الصمود النسبي، يجب علينا ان نعترف بذلك، لكن استمرار الحرب يحتاج إلى موارد، والسلاح يحتاج إلى تمويل، والسيطرة تحتاج إلى اقتصاد، والتصعيد الإقليمي يحتاج إلى خطوط إمداد. لذلك فإن إضعاف المصدر الخارجي للموارد قد يرفع كلفة الحرب على الجماعة،

وفي المقابل، إذا أدى الضغط على إيران إلى دفعها لاستخدام الورقة الحوثية بصورة أكبر، فقد نشهد تصعيداً في البحر الأحمر أو ضد السعودية، بما يفتح جبهة جديدة ويمنح الحوثيين فرصة لإعادة تقديم أنفسهم باعتبارهم جزءاً من صراع إقليمي، بدلاً من مواجهة الاستحقاق اليمني الداخلي. ثلاثة مآلات محتملة في اليمن

الأول: الضغط الاقتصادي يضعف الحوثيين تدريجياً، وهو السيناريو الأفضل للحكومة اليمنية؛ إذ يؤدي تراجع الموارد الإيرانية وتشديد الرقابة على شبكات التمويل والتهريب إلى إضعاف القدرة العسكرية والاقتصادية للحوثيين، ويدفعهم في النهاية إلى قبول تسوية سياسية أكثر واقعية.

الثاني: إيران تستخدم الحوثيين كورقة تصعيد. في هذا السيناريو تتحول جبهة البحر الأحمر إلى وسيلة للرد على الخنق الاقتصادي. وقد يؤدي ذلك إلى استهداف الملاحة أو المصالح السعودية والخليجية، بما يوسع الحرب بدلاً من إنهائها. الثالث: إعادة تشكيل الصراع.

وهو السيناريو الأكثر أهمية؛ إذ يمكن أن يؤدي الضغط على إيران إلى دفع الحوثيين تدريجياً من موقع «الوكيل الإقليمي» إلى محاولة الاعتماد بصورة أكبر على مواردهم الذاتية، ما يجعل الصراع اليمني أكثر استقلالاً عن الصراع الإيراني–الأمريكي، لكنه في الوقت نفسه أكثر تعقيداً. هل اقتربت نهاية الحرب اليمنية؟ ليس بالضرورة، فالضغط على إيران يمكن أن يضعف الحوثيين، لكنه لا يحسم وحده الصراع اليمني.

الحسم يحتاج إلى تلاقي ثلاثة مسارات: ضغط اقتصادي وعسكري على الحوثيين، وتراجع قدرتهم على الحصول على الدعم الخارجي، ووجود مشروع سياسي وعسكري يمني قادر على استثمار أي تراجع في قوة الجماعة،

أما إذا حدث الضغط على إيران من دون بناء قوة يمنية موحدة، فقد تستفيد جماعة الحوثي من الوقت لإعادة تنظيم صفوفها.

ولهذا فإن الفرصة التي قد تنتج عن إضعاف إيران يجب ألا تتحول إلى انتظار سلبي. الخلاصة

المعركة الأمريكية مع إيران تدخل مرحلة جديدة: من تدمير الأهداف إلى خنق الشرايين. ودبي أصبحت إحدى أهم هذه الشرايين،

فإذا نجحت واشنطن في إغلاق القنوات المالية والتجارية والنفطية التي تسمح لإيران بالالتفاف على العقوبات، فقد تضطر طهران إلى إعادة حساباتها، لكن تأثير ذلك لن يتوقف عند حدود إيران. اليمن قد يكون أحد أهم ميادين اختبار نتائج هذه الاستراتيجية.

فإذا تراجع الدعم الإيراني للحوثيين، ونجحت الحكومة اليمنية والقوى المناهضة للانقلاب في استثمار اللحظة، فقد تنتقل المعركة من مرحلة استنزاف طويلة إلى مرحلة فرض توازن جديد على الأرض، أما إذا ردت إيران باستخدام الحوثيين لتصعيد البحر الأحمر، فقد تنتقل المواجهة من حرب خنق اقتصادي في الخليج إلى حرب شرايين تمتد من هرمز إلى باب المندب. وهنا تكمن المفارقة:

كلما نجح ترامب في خنق إيران اقتصادياً، زادت أهمية اليمن في الحسابات الإيرانية؛ وكلما تراجعت قدرة إيران على تمويل وكلائها، زادت أهمية قدرة اليمنيين أنفسهم على حسم معركتهم،

لذلك فإن مستقبل المعركة مع الحوثيين لن يتحدد في صنعاء وحدها، ولا في مأرب والحديدة وتعز فقط، بل سيتأثر أيضاً بما يحدث في طهران ودبي ومضيق هرمز وباب المندب، وقد تكون المرحلة المقبلة أمام أحد احتمالين:

إما أن يؤدي الخنق الاقتصادي إلى فتح باب التسوية مع إيران والحوثيين، أو أن يدفع إلى تصعيد إقليمي يجعل البحر الأحمر واليمن جزءاً من المواجهة الأخيرة على شرايين المنطقة.

والفارق بين السيناريوهين لن تحدده العقوبات وحدها، بل قدرة الأطراف اليمنية على تحويل الضغط الإقليمي على إيران إلى مكسب سياسي وعسكري يضع حداً لانقلاب الحوثيين، بدلاً من أن يتحول اليمن مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.