ما الذي يهدد النظام الإيراني فعلا: الحرب أم الشارع؟

توفيق الحميدي

حين تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مضيق هرمز بلغة توحي بإمكان تحويله إلى أرض أمريكية، لم يكن يرفع فقط سقف المواجهة مع طهران، بل كان يدفع الصراع إلى مساحة أكثر حساسية تتصل بالسيادة والكرامة الوطنية. مثل هذا الخطاب قد يبدو في واشنطن جزءا من سياسة الضغط وإظهار التفوق، لكنه داخل إيران يمكن أن يؤدي نتيجة معاكسة: أن يمنح النظام فرصة لإعادة تقديم نفسه باعتباره مدافعا عن البلاد، لا مجرد سلطة تواجه أزمة داخلية متفاقمة.

وهنا تبدأ المفارقة. فليست كل أداة تضعف إيران قادرة بالضرورة على إضعاف النظام، وبعض أدوات الضغط الخارجي قد تتحول إلى أوراق سياسية يستخدمها في الداخل. لذلك من المهم التمييز بين سؤالين: ما الذي يحد من قدرة إيران على مواصلة المواجهة؟ وما الذي يهدد بقاء النظام السياسي نفسه؟

في الجانب الأول، يبدو الضغط الاقتصادي والعقوبات والقيود البحرية أكثر تأثيرا من كثير من الضربات العسكرية. فهذه الأدوات لا تستهدف منشأة أو قاعدة فقط، بل تصل مباشرة إلى حياة الناس: العملة، الأسعار، الوظائف، التجارة، ودخل الدولة. وكلما ارتفعت كلفة المعيشة واتسعت الضغوط الاجتماعية، أصبح السؤال عن كفاءة الحكم أكثر حضورا في الشارع الإيراني.

لكن الأزمة الاقتصادية لا تتحول تلقائيا إلى أزمة نظام. الجمهورية الإسلامية واجهت خلال العقود الماضية موجات واسعة من الاحتجاج واستطاعت في معظم الحالات احتواءها بالقوة والتنظيم الأمني وإعادة التعبئة. وما يظهر اليوم هو قلق متزايد داخل مؤسسات النظام من عودة الاحتجاجات، لا انهيار قدرته على السيطرة عليها.

ومن هنا يمكن فهم ارتفاع مستوى الاستعداد داخل الحرس الثوري والباسيج، والاهتمام المتزايد بما يمكن أن ينتجه الوضع الاقتصادي من اضطرابات. هذه المؤشرات لا تعني أن أجهزة القوة فقدت السيطرة، لكنها تكشف أن القيادة الإيرانية تنظر إلى الداخل باعتباره جبهة لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية.

الخطر الحقيقي على النظام لا يبدأ بخروج الناس إلى الشوارع وحده، بل يبدأ عندما تجتمع عدة عوامل في وقت واحد: أزمة اقتصادية عميقة، احتجاجات واسعة ومستمرة، انقسام داخل النخبة الحاكمة، ثم تردد أو تصدع داخل مؤسسات القوة. عندها لا تعود الأزمة مجرد مشكلة أمنية يمكن احتواؤها، بل تتحول إلى أزمة في قدرة النظام نفسه على الحكم والاستمرار.

وهنا تحديدا يمكن لخطاب ترامب أن يقدم خدمة غير مقصودة لطهران. فالضغط الاقتصادي يدفع المواطن إلى سؤال مباشر: لماذا تتدهور حياتي؟ أما التهديد الذي يمكن فهمه باعتباره مسا بالسيادة، فينقل النقاش إلى سؤال آخر: من يدافع عن إيران؟ السؤال الأول يضع السلطة في موقع المساءلة، بينما يمنحها الثاني فرصة للوقوف خلف العلم وتقليص المسافة بينها وبين المجتمع.

ولهذا من الأدق الحديث عن القومية الإيرانية، لا القومية الفارسية وحدها. إيران دولة متعددة القوميات، لكن لديها شعور تاريخي قوي بالدولة والاستقلال والسيادة يتجاوز النظام الحالي. ويمكن للإيراني أن يعارض الجمهورية الإسلامية ويرفض سياساتها، وفي الوقت نفسه يرفض أي تهديد خارجي يمس بلاده أو مكانتها.

التاريخ يقدم مثالا واضحا على ذلك. فالحرب العراقية الإيرانية لم تسقط الجمهورية الإسلامية التي كانت لا تزال في طور تثبيت سلطتها بعد ثورة 1979. على العكس، ساهم الغزو الخارجي في تعبئة المجتمع، وتعزيز مكانة الحرس الثوري، ودمج خطاب الثورة بخطاب الدفاع عن الوطن.

لكن إيران اليوم ليست إيران الثمانينيات. المجتمع تغير، والأجيال الجديدة أبعد عن خطاب الثورة، والفجوة بين قطاعات واسعة من الإيرانيين والسلطة أصبحت أعمق، كما أن الاقتصاد أكثر هشاشة أمام العقوبات والحروب. لذلك لا يعني استدعاء القومية أن النظام سيحصل على التفاف دائم من المجتمع. قد يمنحه فقط فترة من التماسك، لكنها قد تكون مهمة في لحظة يشعر فيها بأن الضغوط الداخلية تتزايد.

وهنا تظهر مشكلة أساسية في الاستراتيجية الأمريكية: الخلط بين إضعاف النظام وإضعاف إيران نفسها. فإذا شعر الإيرانيون أن الضغوط تستهدف مؤسسات السلطة وقدراتها العسكرية، تبقى المسافة بين المجتمع والنظام قائمة. أما إذا بدا أن المواجهة تمس السيادة أو تحمل معنى الإذلال الوطني، فقد تضيق هذه المسافة، ولو مؤقتا، ويصبح النظام المستفيد الأول من تحول الأزمة إلى قضية وطنية.

هذا لا يعني أن الحرب الخارجية تنقذ النظام بالضرورة. فقد تدمر قدراته العسكرية، وتقلص موارده، وتعمق أزمته الاقتصادية، وربما تسرع التصدعات داخله. لكن النتيجة تتوقف على طبيعة المواجهة والطريقة التي يفهمها بها الإيرانيون. كلما بقي الضغط مركزا على قدرات النظام، ظل الفصل ممكنا بين الدولة والسلطة. وكلما اتسع ليشمل رموز السيادة والهوية الوطنية، ازدادت قدرة طهران على تقديم نفسها باعتبارها المدافع عن البلاد.

والمنطق نفسه ينطبق على الضغط الاقتصادي. فهو قد يستنزف النظام ويزيد السخط الاجتماعي، لكنه إذا تحول إلى معاناة واسعة يدفع ثمنها المدنيون، يستطيع النظام تحميل الخارج جزءا من المسؤولية وتحويل جانب من الغضب الشعبي نحو الولايات المتحدة.

لهذا فإن جزءا مهما من المواجهة يدور حول تفسير الأزمة نفسها. واشنطن تريد أن يرى الإيراني أن النظام هو سبب عزلته وأزمته المعيشية، بينما تريد طهران أن تقنعه بأن إيران نفسها هي المستهدفة. وإذا نجح النظام في تحويل الغضب من الداخل إلى الخارج، فإنه يكون قد حقق سياسيا ما قد تعجز عنه دفاعاته العسكرية: شراء الوقت وإعادة ترتيب الداخل حول خطر خارجي.

لكن هذا الأثر يظل مؤقتا. فالقومية لا تعالج التضخم، ولا توفر الوظائف، ولا تعيد الثقة بين المجتمع والدولة. وإذا انحسر الخطر الخارجي وبقيت أسباب الأزمة، فقد يعود الغضب الداخلي بقوة أكبر.

هنا تتضح المعضلة الأمريكية بصورة أكثر دقة. تستطيع واشنطن تدمير منشآت، وتعطيل صادرات، ورفع كلفة المواجهة، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها أن تنتج تحولا سياسيا داخل إيران. بل إن بعض أشكال الضغط، حين تقدم بلغة تمس السيادة، قد تمنح الجمهورية الإسلامية فرصة لإعادة صياغة الصراع من مواجهة بين المجتمع والسلطة إلى مواجهة بين إيران والخارج.

ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال الأمريكي فقط: كم تستطيع واشنطن أن تضغط على إيران؟ بل: أي نوع من الضغط يضعف النظام من دون أن يمنحه احتكار معنى الدفاع عن الوطن؟ فالفارق بين استهداف الجمهورية الإسلامية واستهداف إيران نفسها قد يكون هو الفارق بين سياسة توسع عزلة النظام، وسياسة تمنحه فرصة جديدة للبقاء.