كيف تدير الإمارات اللعبة في اليمن تحت أنظار الرياض
يكشف مشهد التطورات الحالية، وخصوصا ما يجري في حضرموت والمهرة وسقطرى، عن إدارة إماراتية عالية البراغماتية للصراع، تقوم على الجمع بين التظاهر بالتفاهم مع الهواجس السعودية، والعمل المتوازي على تكريس وقائع جيوسياسية تمسّ الأمن القومي للمملكة بشكل مباشر. فبينما تحرص أبوظبي على الظهور شريكا متفهما لمخاوف الرياض، وتشاركها في زيارات ميدانية ولقاءات سياسية، سواء في عدن أو في الرياض، كانت أدواتها المحلية قد أنجزت بالفعل تمددا نوعيا في مناطق تمثل عمق النفوذ التقليدي السعودي في شرق اليمن.
هذا التناقض الظاهري بين الخطاب والسلوك ليس عفويا، بل يعكس نمطا إماراتيا ثابتا في إدارة الملفات الإقليمية: امتصاص قلق الحليف سياسيا، مقابل فرض أمر واقع ميداني يصعب التراجع عنه لاحقا.
السيطرة غير المباشرة لوكلاء أبوظبي على حضرموت والمهرة لا يمكن قراءتها كتحرك محلي معزول، بل كاختراق جيوسياسي لمنطقة تشكّل شريانا استراتيجيا للمملكة، وحديقة خلفية لأمنها الحدودي والبحري.
الرياض، في المقابل، بدت واقعة تحت ضغط هذا الواقع الجديد، فالتمدد الإماراتي في شرق اليمن لا يهدد فقط نفوذها التاريخي هناك، بل يضعها أمام معادلة إقليمية أكثر تعقيدا، في لحظة تسعى فيها المملكة إلى إعادة توجيه ثقلها نحو الداخل، وتكريس مشروعها الاقتصادي الطموح.
من هنا، يمكن فهم التحركات السعودية الأخيرة بوصفها محاولات احتواء لا مواجهة مباشرة، إدراكا منها لكلفة الصدام المفتوح مع شريك يفترض أنه حليف.
غير أن القراءة الأعمق تشير إلى أن طموح أبوظبي يتجاوز مجرد تحجيم النفوذ السعودي في اليمن، فالسياق الأوسع لتحركاتها الإقليمية، من السودان إلى القرن الإفريقي وصولا إلى اليمن، يوحي بسعي حثيث لإعادة هندسة موازين القوة في المنطقة، بما يتيح لها لعب دور "الفاعل المركزي" في الشرق الأوسط. هذا الطموح، المرتبط بشخصية القيادة الإماراتية وعلاقاتها الوظيفية مع قوى غربية والكيان الإسرائيلي، يضع المملكة في دائرة تطويق استراتيجي ناعم، لا يقوم على المواجهة العسكرية المباشرة، بل على تراكم تهديدات أمنية وسياسية في محيطها الحيوي.
في هذا الإطار، تبدو سقطرى ساحة اختبار حساسة، فبينما تضغط الرياض – سياسيا وعسكريا – لإخراج قوات المجلس الانتقالي من حضرموت والمهرة، تلجأ أبوظبي إلى تكتيك أكثر دهاءً، يتمثل في تحريك وكلائها بعيدًا عن الواجهة، وفتح جبهة تصعيد ميداني في سقطرى، حيث تتمركز قوات سعودية تُعرف بقوات الواجب. التصعيد الجاري هناك لا يمكن فصله عن الصراع الأكبر على النفوذ، ولا عن الرغبة الإماراتية في إرسال رسالة مفادها أن الضغط السعودي في الشرق سيقابله إرباك في الجنوب والبحر.
ما جرى ويجري في سقطرى من حشد أنصار ومشايخ، واستخدام أدوات الترهيب والترغيب، وصولا إلى التلويح بقطع المساعدات المالية، يندرج ضمن هذا السياق. الذريعة المعلنة، وهي أن الرياض أغلقت المجال الجوي ومنعت الرحلات من أبوظبي إلى سقطرى، تبدو واهية عند تفكيكها. فالمطار لم يُغلق، والطيران اليمني لا يزال ينظم رحلاته، وكل ما حدث أن شركة الطيران الإماراتية أوقفت رحلتها ليوم 23 ديسمبر الجاري من جانب واحد، بحجة "أسباب تشغيلية". هذا الإيقاف، في توقيته وسياقه، يوحي بأنه مفتعل، ويهدف إلى خلق أزمة مصطنعة تُستخدم كوقود لتأجيج الشارع المحلي ضد الوجود السعودي.
بذلك، يتحول ملف فني محدود إلى أداة سياسية، تُستثمر لإنتاج اعتصامات واحتجاجات أمام المطار ومقر التحالف، وتوجيه الغضب الشعبي باتجاه القوات السعودية، في محاولة لنزع شرعيتها الرمزية، ودفعها إلى الانسحاب تحت ضغط محلي مصطنع. هذه الاستراتيجية، التي تمزج بين التحكم بالخدمات، وتحريك الفاعلين الاجتماعيين، وتدوير خطاب المظلومية، تمثل أحد أخطر أنماط الصراع غير المباشر، لأنها تُدار بأيدٍ يمنية، لكنها تخدم أجندة خارجية.
في المحصلة، لا يمكن قراءة ما يجري باعتباره خلافا عابرا بين حليفين، أو سوء تنسيق ميداني. نحن أمام صراع نفوذ مكتمل الأدوات، تستخدم فيه أبوظبي الذكاء التكتيكي لتوسيع مكاسبها، فيما تحاول الرياض إدارة الخسائر ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تخلط أوراق المنطقة بأكملها. وبين هذا وذاك، يبقى اليمن، مرة أخرى، ساحة تصفية حسابات إقليمية، يدفع ثمنها سيادته واستقراره ومستقبل دولته.