الانفصال من وجهة نظر عبدالرحمن الراشد

علي الأحمدي

 

فهم بعض اليمنيين من طرح الأستاذ عبدالرحمن الراشد أنه يساند أو يروج لفكرة انفصال الجنوب، كونه استعرض مسار الوحدة التاريخي وقارن وضع الجنوب بتجارب انفصالية شهدها العالم ووضع بعض الافتراضات والمخاوف ..

والحقيقة أن الراشد لم يُظهر انحيازاً بل قدم قراءة تحليلية موضوعية للواقع، محاولاً إعادة القضية إلى مسارها الواقعي والممكن ووضع لتحقق ذلك شرطين:  الأول .. التوافق اليمني، سواء على مستوى الجنوب بين مكوناته المختلفة، أو بين مكونات الشرعية اليمنية. الثاني .. التفاهم مع الإقليم خصوصاً دول الجوار، التي بات لها الدور الأبرز في التأثير على مجريات الملف اليمني دولياً.

قبيل الاستقلال وبعده شهد الجنوب اليمني عمليات إقصاء واجتثاث ممنهجة لأكثر من 90٪ من مكوناته السياسية وتفرد مكون أيديولوجي واحد بالسلطة ، وانعكس ذلك على الحضور الديني والعلمي للمدارس التي كانت تشكل العمق الروحي والثقافي في الجنوب فتم تدمير هذه الركيزة المجتمعية ولم يُبق منها إلا على شكل بسيط يقيم الشعائر الدينية ، كما ادت هذه العقلية لضرب البنية الاجتماعية القبلية والمشيخية حتى تلك الشخصيات التي كانت من أشد معارضي الاستعمار البريطاني ، واستُكمل هذا التجريف بقوانين التأميم التي قضت على رأس المال الوطني وأغلقت الأسواق مما دفع كثيرين من رجال المال والأعمال إلى الهرب بحثاً عن بيئة آمنة لحياتهم واستثماراتهم.

مشكلة البعض اليوم أنهم يصورون قضية الجنوب على أنها قضية "إرادة موحدة" لكل أطياف ومكونات الشعب ، في حين أن الحقيقة أنها تحولت إلى أداة بيد طرف مناطقي محدود، شكل وجوده السياسي ومصالحه على حساب بقية الجنوبيين طوال العقود الماضية ..

قضية الجنوب لم تكن يوماً قضية عرق، أو طائفة، أو حتى مظلمة جماعية مستحيلة المعالجة، بل هي قضية عادلة لشعب كبير ومتنوع جرى استغلالها من قبل فئة حولتها إلى نزعة سلطوية مسعورة، تبحث عن النفوذ والمال لا عن عدالة أو شراكة وطنية حقيقية..

يمكننا توصيف قضية الجنوب ببساطة في شقين مترابطين : الشق الداخلي : تم فيه تدمير مكونات الشعب ومقوماته السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، نتيجة سياسة الانفراد بالسلطة والإقصاء والتهميش، وفرض القوة على كل من يختلف أو يعارض، مما أدى إلى تفريغ الجنوب من تنوعه وعمقه التاريخي والاجتماعي ..

الشق الخارجي: يتمثل في العلاقة مع الشمال حيث فشلت السلطة الشرعية في ٩٤ _ بما فيها شركاء النصر الجنوبيين _ في معالجة آثار الحرب المباشرة ومعالجة التجريف السابق الذي رافق الاستقلال في كافة جوانب ومقومات المجتمع، وتم الاكتفاء بتقديم مشاريع خدمية كانت تلك المناطق مفتقرة إليها ..

القضية الجنوبية ليست مجرد شعار للانفصال أو الوحدة، بل هي انعكاس لفشل إداري وسياسي مزمن يحتاج إلى معالجات عميقة تنطلق من الاعتراف بالتعدد والخصوصيات ورد الاعتبار للناس وبناء عقد اجتماعي جديد يضمن العدالة والشراكة لا الاستحواذ ..