ما بعد ضجيج المدافع.. هندسة "الانتصار الآمن" وترميم الروح الوطنية

أمين بارفيد

​مع عودة الهدوء إلى المعسكرات، وإسدال الستار على حقبة التجاذبات العسكرية التي استنزفت الجميع، نجد أنفسنا اليوم أمام استحقاق هو الأصعب والأكثر تعقيداً من المعركة العسكرية ذاتها؛ إنه استحقاق "إدارة الانتصار". فالتاريخ يخبرنا دوماً أن كسب الحرب قد يكون أمراً عسكرياً بحتاً، لكن كسب السلم هو فن سياسي واجتماعي يتطلب شجاعة تفوق شجاعة الضغط على الزناد. ​اليوم، وبعد بسط نفوذ الدولة واستعادة المؤسسات، تتجه الأنظار نحو الخطاب الإعلامي والسياسي الذي سيحكم المرحلة.

نحن بحاجة ماسة إلى مغادرة "خندق التعبئة" والتحرك نحو فضاء "الاحتواء"، وتغيير قاموسنا اللغوي من مفردات الإقصاء والتخوين إلى لغة الشراكة والمصير الواحد. ​ ان أخطر ما يواجه الدول عقب استعادة سيطرتها هو الوقوع في فخ "نشوة المنتصر".  

الانتصار الذي تحقق ليس انتصاراً لطرف على طرف، ولا لقبيلة على منطقة، بل هو انتصار لمنطق "الدولة" على منطق "اللا دولة". لذا، فإن أي خطاب يحمل في طياته "شماتة" أو رغبة في "التنكيل" الرمزي بالطرف الآخر، هو في الحقيقة طعنة في خاصرة الاستقرار المنشود. يجب أن ندرك أن من كانوا في الخندق المقابل بالأمس هم أبناء هذا الوطن، وأن كرامتهم من كرامة الدولة ذاتها. 

من الضروري بمكان، ونحن نعيد ترتيب البيت الداخلي، الفصل التام بين المسار السياسي الذي انتهى بحل التشكيلات خارج الدولة، وبين "القضية الجنوبية والشرقية " كملف حقوقي ووطني عادل. و غياب أي مكون سياسي عن المشهد لا يعني غياب مظلومية الناس أو حقوقهم. بل على العكس، يجب أن يكون خطاب المرحلة هو أن الدولة القوية والمستقرة هي الضامن الحقيقي والوحيد لحل كل القضايا حلاً عادلاً، بعيداً عن المقامرات السياسية أو الأجندات الخارجية.

المواطن في الجنوب والشرق والشمال والغرب يحتاج أن يلمس أن الدولة هي درعه، وليست خصمه. ​ يعيش قطاع واسع من الموظفين المدنيين والعسكريين الذين عملوا تحت الإدارات السابقة حالة من القلق المشروع. وهنا يأتي دور الإعلام المسؤول لطمأنة الجميع لا إقصاء وظيفي، ولا تصفية حسابات بأثر رجعي.

الدولة لا تحارب أرزاق أبنائها. المعيار الوحيد اليوم هو الكفاءة والانضباط تحت راية المؤسسة الرسمية. هذه الطمأنة ليست ترفاً، بل هي حجر الزاوية لتطبيع الحياة وعودة العجلة للدوران. ​ إن أعظم مكسب استراتيجي لإنهاء الازدواجية العسكرية وتوحيد مسرح العمليات في المناطق المحررة، هو حرمان الانقلاب الحوثي من ورقة "الخلافات البينية" التي طالما راهن عليها لإطالة أمد بقائه. اليوم، وقد التأم شمل "الشرعية" تحت راية واحدة وقرار عملياتي موحد، يتوجب على الخطاب الإعلامي والسياسي إعادة ضبط البوصلة نحو اتجاهها الوطني الصحيح: تحرير ما تبقى من تراب الوطن.

لم يعد هناك مبرر للانشغال بمعارك جانبية؛ فالعدو الوجودي لليمنيين – شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً – هو المشروع السلالي القابع في صنعاء. إن ترتيب صفوف معسكر الشرعية ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة حتمية لحشد الطاقات، وتوجيه فوهات البنادق، وتسخير الأقلام نحو معركة الخلاص الشامل وإنهاء الانقلاب الحوثي. إن يمناً نصفه محرر ونصفه مختطف لن يستقر، والمعركة الحقيقية لعودة الدولة تبدأ فعلياً الآن، بظهرٍ مسنود، وجبهةٍ موحدة، وعزيمة لا تليين.

أخيراً، يمل المواطن اليمني من الشعارات البراقة والرايات الملونة. لقد كان الدرس قاسياً، والنتيجة التي يجب استخلاصها هي أن الشرعية الحقيقية لأي سلطة تنبع من الخدمات التي تقدمها. المقياس القادم ليس عسكرياً، بل خدمياً بامتياز. هل ستعود الكهرباء؟ هل ستنخفض الأسعار؟ هل سيأمن المواطن في سربه؟ هذا هو التحدي الحقيقي. ​

إننا ندشن اليوم مرحلة عنوانها "العفو عند المقدرة" و"البناء عند التمكين". فلنطوِ صفحة الماضي بآلامها، ولنفتح صفحة بيضاء لا يُكتب فيها إلا ما يجمع الشتات ويوحد الكلمة. لقد قالت البندقية كلمتها وصمتت، والآن فليتحدث العقل، ولتعمل سواعد البناء والتحرير.