سؤال للقيادة السياسية

أحمد ناصر حميدان

 

 هل يمكن  القول إن معطيات اليوم تشير بوضوح إلى أننا أمام منعطف سياسي حقيقي، أو على الأقل أمام لحظة تاريخية تتوافر فيها شروط التغيير والتحول أكثر من أي وقت مضى.

وهل لديكم استراتيجية واضحة وسياسات قادرة على الاستفادة من هذه اللحظة التاريخية التي لا تكمن في اشكاليات توصيف اللحظة بقدر ما تكمن في كيفية إدارتها والبناء عليها.

إذا سلّمنا بأننا في طور التحول، فإن من البديهي أن يُبنى هذا التحول على أسس مغايرة جذريا لما قامت عليه الأنظمة والتجارب السابقة؛ تلك التي أنتجت الفشل، وراكمت الأزمات، وأدخلت البلاد في دوامة صراعات لا تنتهي. فالتكرار هنا لا يعني إلا إعادة إنتاج الانهيار نفسه بأدوات جديدة.

السؤال الجوهري هو:

هل يمتلك صانعو القرار اليوم الشجاعة والوعي لقراءة الماضي قراءة نقدية، لا انتقائية؟

قراءة تستخلص الدروس والعبر، لا لتبرير الأخطاء، بل لتجاوزها.

لقد أخفقت التجارب السابقة لأنها سعت إلى بناء دولة الجماعة لا دولة الإجماع؛ دولة الإقصاء لا دولة الشراكة، حيث فُرضت مشاريع ضيقة على مجتمع متنوع، وتم تجاهل فكرة الدولة العادلة التي تعطي لكل ذي حق حقه، ضمن إطار الحق العام والمصلحة الوطنية الجامعة.

المدخل العقلاني اليوم لأي بناء سياسي مستقر يبدأ من الحكم المحلي/الذاتي للمحافظات في إدارة شؤونها، في ظل سلطة مركزية قانونية تكون وظيفتها الأساسية: تحقيق العدالة بين المحافظات، إدارة التوازنات الوطنية، حماية وحدة الوطن، ومنع الانزلاق نحو التفكك أو الفوضى.

فوضى المشاريع السياسية، التي ترفع شعارات براقة لكنها تسعى في جوهرها إلى الهيمنة على وعي الناس، أو السيطرة على محافظات أخرى، ليست إلا وجها آخر للصراع القديم، ولن تنتج إلا صراعات جديدة.

إن تبنّي هذا المسار كفيل بإنهاء مرحلة: التمكين المناطقي، والسيطرة القبلية، والتفوق الأيديولوجي، ومحاولات إخضاع منطقة لمنطقة، أو جماعة لجماعة.

وهي مرحلة لم تحصد البلاد منها سوى الحروب، والانقسامات، وتعطيل فرص الاستقرار، وضياع التنمية، وغياب الدولة القادرة على حماية مواطنيها وصون كرامتهم.

الخلاصة:

التحول الحقيقي لا يُقاس بتغيير الوجوه أو الشعارات، بل بتغيير منطق الحكم نفسه: من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ومن دولة السيطرة إلى دولة القانون، ومن صراع المشاريع إلى إجماع وطني جامع، وحده هذا الطريق يمكن أن يقود إلى وطن مستقر، آمن، قابل للتنمية، وقادر على الارتقاء إلى مصاف الدول المحترمة.