جوهر صراع جنوب اليمن.. «المثلث المشكلة والصبيحة هي الحل»
في اليمن، فإن الهضبة شمالًا والمثلث جنوبًا هما منطقتا الفاعلية والتأثير والشغب، وتتحملان مسؤولية المآلات التي وصلت إليها البلاد.
أنتجت الهضبة جماعة الحوثي التي انقلبت على الدولة وصنعت هذه الجائحة، وأنتج المثلث مجلسًا انتقاليًا انقلب على القضية الجنوبية وعبث بمحافظاتها لعقدٍ من الزمن.
رعونة الحوثي حوّلت اليمن إلى ساحة صراع استدعت المقاتلات من مختلف الأجيال، فيما بلغت حماقة الانتقالي ذروتها بمحاولة غزو حضرموت تحت لافتة «حقنا»، ما استدعى تدخل طائرات F15 السعودية لمنع الخطر.
ومن أوجه الشبه بين الهضبة والمثلث، عدم وضع أي حسابات لخدمات الناس وأمنهم واستقرارهم.
ولأن عيدروس الزبيدي بلا خلفية سياسية ولا فهم بالجغرافيا، فقد قاده هذا القصور إلى تخوم المملكة والسلطنة.
ولو كان الزبيدي مستوعبًا لتاريخ الصراعات في جنوب اليمن، لما تورط في هذه الخطوة، ففي كل محطات صراع الرفاق مع حكومة عدن، ظلت حضرموت والمهرة خارج دائرة النار.
يمتلك الزبيدي، وفق القرارات التي أصدرها، أكثر من 300 مستشار، وهو رقم لم يصل إليه حتى رئيس البيت الأبيض، ومع ذلك رمَوه في ورطة كلفته نهايته السياسية، ثم خرجوا لإدانته عبر قناتي العربية والحدث.
استمالة يافع من خلال المحرمي وعبدالرحمن شيخ إلى صف الشرعية المدعومة من التحالف بقيادة السعودية، خطوة ذكية في إطار تفكيك «المثلث المشاغب»، لكنها ستبقى في المربع السياسي، ولن تكون فاعلة أمنيًا، ولن تستطيع فرملة زحوف الضالع الأسبوعية إلى ساحة العروض بعدن.
والسبب أن تاريخ الأحداث والصراعات وموازين القوى جنوبًا يؤكد أنه لا يمكن ليافع أن تضطلع بدور أمني يكبح جماح الضالع، لأسباب عديدة، منها التماس الجغرافي والتداخل المجتمعي، فضلًا عن اختلاف المزاج؛ فالضالع صلبة، عدمية، تميل إلى المغامرة والنضال، ولا تحسب حسابًا للمكاسب، بعكس يافع البراغماتية الميالة إلى عقد الصفقات. ينفع مع يافع ذهب المعز، أما الضالع فلا يخضعها إلا سيفها.
في حرب 1994م، كان الإخضاع العسكري هو الحل، إذ بقيت هذه المناطق طيّعة للدولة 12 عامًا، إلى أن اهتز النظام وتشكل اللقاء المشترك، الذي كان الحاضن الأول للفعاليات الاحتجاجية الحقوقية، بدءًا باحتجاجات المتقاعدين العسكريين، نواة الحراك الجنوبي.
أمام هذا الواقع، يبرز خيار الصبيحة باعتبارها المعادل والحل، إذ يؤهلها لهذا الدور مزاجها المختلف تمامًا عن مزاج المثلث، رغم انتمائها إلى المحافظة نفسها، لحج. كما تستطيع الصبيحة التحكم بطريق المثلث في المنطقة الممتدة من العند حتى كرش، ونفوذها يصل إلى باب المندب، مستندة إلى حاضنة قبلية وجوار حجري تعزي متوائم معها.
ولهذا يحسب المثلث حسابًا كبيرًا لأي نفوذ قد تصل إليه الصبيحة، وفي التاريخ محطات عديدة لهذا التجاذب، منها الصراع مع أول رئيس جنوبي قحطان الشعبي، ورئيس الوزراء فيصل عبداللطيف، وكلاهما من الصبيحة.
وبالتالي، فإن وصول الصبيحة إلى النفوذ والقوة والتأثير يشكّل عامل استقرار لعدن ولحج، ويضيّق مساحات الفوضى التي يلعب فيها المثلث. ولعل محاولة الاغتيال الفاشلة الأخيرة للقيادي حمدي شكري الصبيحي تأتي في هذا السياق، في إطار منع الصبيحة من تحقيق النفوذ الذي يخشاه المثلث المشاغب.
نصيحة أخيرة للواء الشهراني: الوقت كالسيف، والرتابة وتمدد الوقت سيعقدان الحلول. يجب إغلاق عدن في وجه الفوضى، وتقديمها نموذجًا للاستقرار الأمني والخدماتي، ومأوى للجميع.
عدن هي الجنوب، وهي اليمن.
*المقال خاص لـ"منصة الهدهد"