المناطق المحررة كاختبار للشرعية: ما الذي يواجهه المجلس الرئاسي؟

إبراهيم السامعي

تفرض التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة في المناطق الشرقية والجنوبية من البلاد نفسها كمدخل لا يمكن تجاوزه لفهم مأزق الشرعية اليمنية اليوم، فالأحداث التي شهدتها هذه المناطق، وما رافقها من إعادة ترتيب البيت الداخلي لمجلس القيادة الرئاسي، والحديث المتصاعد عن التغيير الحكومي المرتقب، إلى جانب إقالة عدد من القيادات السياسية والعسكرية المتورطة في أعمال تمرد أو ازدواج ولاء، تعكس إدراكا متأخرا لحجم الخلل الذي أصاب بنية القرار السياسي والعسكري داخل معسكر الشرعية خلال السنوات الماضية، وعلى الرغم من أن هذه الخطوات لا تزال في بداياتها، فإنها تضع المجلس الرئاسي أمام لحظة اختبار حقيقية: إما البناء عليها لتوحيد القرار السيادي واستعادة هيبة الدولة، أو تفويتها كما فوتت فرص سابقة، بما يعمق أزمة الثقة داخليا وخارجيا.

ففي هذا السياق، تمر اليمن اليوم بمرحلة مفصلية تتسم بتداخل عميق بين المسارين السياسي والعسكري، في وقت لم يعد فيه الاعتراف الدولي وحده كافيا لتحويل الشرعية إلى سلطة فاعلة على الأرض، فبعد سنوات من الحرب، لم يعد التحدي الرئيسي مقتصرا على استمرار سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء وأجزاء واسعة من المحافظات الشمالية، بل بات يتمثل أيضا في عجز الشرعية عن تقديم نموذج حكم مستقر وموثوق في المحافظات المحررة؛ وهنا، يواجه مجلس القيادة الرئاسي اختبارا جوهريا يتجاوز إدارة الصراع، ليطال إعادة تعريف وظيفته بوصفه سلطة انتقالية معنية بإعادة بناء الدولة، والحفاظ على الجمهورية، وصون الوحدة الوطنية في ظل تصاعد مشاريع التفكيك وتآكل مفهوم السيادة.

ويبدأ هذا الدور بالضرورة، من مسألة توحيد القرار السيادي السياسي والعسكري، فقد أثبتت التجربة اليمنية أن تعدد مراكز النفوذ داخل معسكر الشرعية أضعف قدرتها على الحسم العسكري والتفاوض السياسي، وفتح المجال أمام نشوء أنماط حكم موازية قوّضت فكرة الدولة نفسها، كما هو الحال مع المجلس الانتقالي المنحل وغيره من التشكيلات الخارجة عن الإطار المؤسسي، وفي هذا الإطار، فإن الإجراءات الأخيرة الهادفة إلى إعادة ضبط العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تظل بلا قيمة إن لم تُستكمل بإرادة سياسية واضحة تنهي حالة التسامح مع التمرد المقنع وتعدد الولاءات.

ولهذا فإن استمرار وجود تشكيلات عسكرية وأمنية خارج سلطة وزارتي الدفاع والداخلية لا يمثل مجرد تحد أمني فقط، بل يعكس أزمة عميقة في طبيعة السلطة الانتقالية نفسها، فمن دون مركز قرار سياسي وعسكري واضح، تظل الشرعية كيانا عاجزا عن فرض سيادته أو خوض معركة استعادة الدولة بفاعلية، ويرتبط توحيد القرار السياسي ارتباطا وثيقا بإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس مهنية ووطنية، تحت قيادة واحدة، وولاء صريح للشرعية الدستورية، وهدف جامع يتمثل في استعادة الجمهورية والدولة، لا إدارة الجبهات أو تجميدها وفق حسابات ضيقة

لذلك فإن الصراع في اليمن لم يعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحول إلى تنافس بين نماذج حكم متناقضة، ومن هذا المنطلق، لا يمكن للشرعية أن تواجه مشروعا أيديولوجيا مغلقا ومتماسكا كالمشروع الحوثي بأدوات مفككة أو بولاءات متعارضة ومتنافسة، بل ومتربصة ببعضها البعض، كما أن غياب هيكلة عسكرية واضحة، واستمرار حالة الجبهات الجامدة، يطرحان تساؤلات جدية حول استراتيجية الحرب والسلام معا، ويؤثران سلبا على ثقة الداخل والخارج بقدرة المجلس الرئاسي على إدارة المرحلة الانتقالية واستثمار التحولات الإقليمية والدولية.

غير أن البعد الأكثر حساسية يتمثل في إدارة المناطق المحررة، التي تشكل اليوم المساحة الوحيدة المتاحة لتجسيد فكرة الدولة عمليا، لأن هذه المناطق تمثل مختبرا سياسيا واختبارا مباشرا لشرعية المجلس الرئاسي، إذ إن انتشار الفوضى الأمنية، وتدهور الخدمات، وضعف القضاء، وانقطاع الرواتب، وغياب الدولة بمؤسساتها، كلها عوامل تغذي خطاب الحوثيين القائم على نزع الشرعية عن السلطة المعترف بها محليا ودوليا، وتُضعف في الوقت ذاته أي مسعى مستقبلي لإعادة توحيد البلاد سياسيا وجغرافيا.

ومن ثم، فإن تحسين أداء الإدارة المحلية في المحافظات المحررة، وتعزيز سيادة القانون، ومكافحة الفساد، وتوفير الخدمات الأساسية، وضبط الأمن، ليست إجراءات تكميلية أو ترفا سياسيا، بل خيارات استراتيجية ذات أثر طويل المدى، فالدولة التي تفشل في إدارة مناطقها الآمنة تفقد، بحكم الواقع، أي مشروعية أخلاقية أو سياسية للمطالبة باستعادة بقية البلاد، وإلى جانب التحديات الإدارية والأمنية، يبرز غياب الرؤية السياسية الواضحة بشأن مستقبل الدولة اليمنية، لا سيما فيما يتعلق بشكل النظام السياسي وطبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، لأن ترك هذه القضايا معلقة أو ترحيلها إلى ما بعد الحرب يخلق فراغا خطيرا تستثمره قوى محلية وإقليمية متباينة المصالح.

لذلك فإن انتقال المجلس الرئاسي من إدارة التوازنات المؤقتة إلى بلورة تصور سياسي جامع أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل، تصور يعترف بالتنوع اليمني، لكنه يحافظ في الوقت ذاته على إطار الدولة الواحدة باعتبارها مرجعية تفاوضية لا يمكن تجاوزها بالقوة أو فرض بدائلها عبر الأمر الواقع، ولا يقل أهمية عن ذلك البعد المجتمعي للمرحلة الانتقالية، فغياب الشراكة الحقيقية مع القوى السياسية والمدنية، وتقييد الفضاء العام، وإقصاء الفاعلين الاجتماعيين، كلها عوامل تُضعف أي مسار لإعادة بناء الدولة، إذ تشير التجارب المقارنة في الدول الخارجة من النزاعات إلى أن استعادة الثقة بين السلطة والمجتمع شرط أساسي للاستقرار، وأن الدولة التي تفشل في التواصل مع مواطنيها وتلبية احتياجاتهم الأساسية سرعان ما تفقد قدرتها على فرض سياساتها مهما حظيت بدعم خارجي.

ولهذا وفي ضوء ما سبق يمكن القول إن مجلس القيادة الرئاسي يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم، فإما أن يستثمر المتغيرات الأخيرة ويحولها إلى نقطة انطلاق لإعادة توحيد القرار السياسي والعسكري وبناء مؤسسات الدولة من المناطق المحررة، أو أن يظل إطارا هشا لإدارة أزمة مفتوحة تتآكل فيها الشرعية يوما بعد يوم، لأن التحول من منطق إدارة الصراع إلى منطق بناء الدولة يتطلب قرارات شجاعة، وإرادة سياسية واضحة، واستثمارا جادا للتطورات المحلية والإقليمية، وإدراكا عميقا بأن استعادة الدولة لا تبدأ من طاولات التفاوض، ولكن من الأرض التي يفترض أنها خاضعة لها، ومن دون ذلك ستبقى الجمهورية والوحدة مجرد شعارات مؤجلة في واقع يتآكل فيه معنى الدولة باستمرار.