الحكومة الجديدة.. بين استحقاقات التمكين وضرورات الحزم (1)

منير عبدالله الحمادي

لقد جاء تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في لحظة تاريخية فارقة، مثّلت بارقة أمل لعامة الشعب اليمني، وبالأخص في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات الجنوبية، الذين تنفسوا الصعداء بعد سنوات من الضيق والأزمات المعيشية والوعود التي لم تجد طريقاً للتنفيذ. إن قراءة المشهد الحالي تفرض علينا الانتقال من مرحلة التوصيف والتحليل إلى مرحلة الفعل وحماية المكتسبات الوطنية.

دلالات التشكيل: واقعية الشراكة

إن الحكومة الحالية ليست مجرد محاصصة سياسية، بل هي تجسيد لاتفاق وطني جامع؛ حيث ضمت كفاءات تكنوقراطية وحضوراً نسوياً لافتاً، ومشاركة فاعلة للمكونات الجنوبية، بما في ذلك المجلس الانتقالي الجنوبي الذي حظي بتمثيل يتجاوز الثلث في القوام الوزاري. هذا التشكيل يرسل رسالة واضحة بأن زمن "الإقصاء" قد انتهى، وأن الجميع اليوم شركاء في مغرم البناء كما كانوا شركاء في مغنم التمثيل.

تحدي توحيد الجبهة الداخلية

إن التحدي الأهم والأخطر الذي يواجهنا اليوم هو "توحيد الجبهة الداخلية" تحت مظلة الدولة الدستورية الواحدة. فمن غير المقبول، عقلاً أو سياسة، أن نرى طرفاً مشاركاً في قمة الهرم السلطوي والحكومي، بينما يستمر "نفر" محسوبون عليه في ممارسة التحريض، والتجمهر الرافض، ومحاولة زعزعة الاستقرار في عدن.

إن ما حدث مؤخراً في محيط قصر معاشيق من محاولات لمنع اجتماع الحكومة – التي أصبحت واقعاً شرعياً بعد أداء اليمين الدستورية – يعد تمرداً واضحاً على إرادة الدولة وإرادة الشعب الذي سئم الفوضى. إن استمرار هذه الازدواجية في المواقف السياسية يهدد بتقويض المنجزات ويعيدنا إلى دوامة الصراعات البينية التي لا تخدم سوى أعداء الوطن.

واجب الحزم وفرض السيادة

إن استقرار الخدمات، وانتظام صرف المرتبات، وتحسن الوضع الاقتصادي، كلها ملفات مرتبطة ارتباطاً عضويًا بهيبة الدولة. لذا، فإنه من المهم التركيز على النقاط التالية كضرورات وطنية ملحة:

فرض السيادة الميدانية: على الدولة اتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بضمان بسط سلطتها على الأرض، وحماية مؤسساتها السيادية من أي ابتزاز أو ترهيب.

تفعيل المساءلة القانونية: يجب المضي بخطوات قانونية رادعة ضد كل من يحاول عرقلة سير القافلة الوطنية أو زعزعة الاستقرار، وفرض عقوبات صارمة ضد المخالفين، فالقانون فوق الجميع.

توحيد المؤسسة الأمنية: إن دمج كافة التشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية ليس ترفاً، بل هو المدخل الوحيد للأمن المستدام.

المسؤولية التضامنية: على القوى السياسية المشاركة في الحكومة رفع الغطاء عن أي عناصر تابعة لها تمارس الفوضى في الشارع، والالتزام بمسؤولياتها الأخلاقية والوطنية تجاه استقرار العاصمة عدن.

خاتمة

ليس من المنطق ولا من المصلحة الوطنية أن تسمح الدولة لقلة قليلة بإيقاف مسيرة الجمهورية اليمنية وحكومتها الشرعية التي تحظى باعتراف دولي ودعم إقليمي غير مسبوق. إن الوقت يمر، والشعب لن يغفر لمن يضيع هذه الفرصة التاريخية من أجل حسابات ضيقة. إن الرهان اليوم هو رهان "الدولة أولاً"، ولا خيار أمامنا سوى النجاح أو الغرق الجماعي في فوضى لن يُستثنى منها أحد.

لقد حان وقت العمل، ولا مكان للمعرقلين والانتهازيين.. حان وقت البناء والانطلاق إلى آفاق التحسن والتطور. فاليمن الاتحادي لن يقوم إلا بأبنائه جميعاً، يصطفون كالبنيان المرصوص.

قال الله تعالى:

> ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103)

وقال سبحانه:

> ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46)

وقال رسول الله ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا» (متفق عليه)، وقال ﷺ: «عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة».

فلتكن مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ولنجعل من هذه المرحلة محطة اصطفاف وطني صادق، تُغَلَّب فيها لغة الدولة على لغة الجماعات، ويُقدَّم فيها مشروع البناء على مشاريع التعطيل.