عندما يتحوّل الكيان إلى عبء: مراجعة شجاعة لمسار المجلس الانتقالي

أحمد ناصر حميدان

 

في لحظات التحولات الكبرى تولد الكيانات السياسية استجابةً لحاجة شعبية، وتُمنح شرعيتها من حجم الأمل الذي تعكسه في وجدان الناس. هكذا نشأ المجلس الانتقالي الجنوبي، حاملاً تطلعات شريحة واسعة من أبناء الجنوب الذين رأوا فيه إطارًا سياسيًا يدافع عن قضيتهم ويعبّر عن هويتهم السياسية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما يزال الكيان يؤدي الدور الذي أُنشئ من أجله؟ أم أنه تحوّل – بفعل تضخم الهياكل وتكاثر المصالح – إلى عبء سياسي واقتصادي يثقل كاهل الجنوب بدل أن ينهض به؟

تضخم الهياكل وتآكل الفاعلية

لا يمكن إنكار أن السنوات الماضية شهدت توسعًا لافتًا في البنية التنظيمية للمجلس: هيئات، دوائر، تشكيلات، تمثيليات في الداخل والخارج، وموازنات تشغيلية ونثريات وامتيازات.

المشكلة ليست في وجود هيكل تنظيمي، بل في تضخمه دون انعكاس ملموس على حياة المواطن. حين تتضخم العمالة الإدارية دون إنتاج، وتُصرف رواتب وبدلات عالية في واقع اقتصادي منهك، فإن أي مشروع سياسي يفقد تدريجيًا أخلاقيته أمام الناس. الكيانات التي تستهلك أكثر مما تنتج، وتُنفق أكثر مما تبني، تتحول – بمرور الوقت – إلى عبء مالي ومعنوي. التعارض مع مسار الدولة

الأخطر من العبء المالي هو التعارض الوظيفي. فبدل أن يكون الكيان رافعة لمؤسسات الدولة، يزداد الانطباع بأنه أصبح عائقًا أمام إصلاحات مالية واقتصادية تحتاجها البلاد بشدة.

اليوم، الدولة اليمنية – بكل هشاشتها – تحتاج إلى توحيد أدواتها المالية، وتعزيز تحصيل الإيرادات، وبناء موازنة عامة منضبطة. أي جسم سياسي أو إداري يعمل خارج هذا الإطار، أو يستنزف الموارد دون مساءلة، يضعف قدرة الدولة على التعافي.

المواطن لا يهمه صراع النفوذ بقدر ما يهمه: كهرباء مستقرة رواتب منتظمة خدمات أساسية أفق اقتصادي واضح

وكل كيان لا يسهم في تحقيق هذه الأولويات، بل يفاقم التعقيد، يصبح جزءًا من المشكلة. حين تتغلب المصالح على المشروع

أخطر ما يصيب أي كيان سياسي هو تغلغل المصلحيين والنفعيين في مفاصله. عندما تتحول العضوية إلى امتياز، والمنصب إلى مكافأة، والمشروع إلى شبكة مصالح، تتآكل الفكرة من الداخل.

المشكلة لا تكون في العنوان السياسي، بل في ثقافة الإدارة. وحين يصبح من الصعب إعادة الهيكلة بسبب تشابك المصالح، فإن السؤال عن جدوى الاستمرار يصبح مشروعًا.

ليس العيب في المراجعة، بل العيب في المكابرة. وليس من الوطنية الدفاع عن كيان متضخم لمجرد الخوف من الفراغ، بل الوطنية الحقيقية تكمن في تصحيح المسار مهما كانت كلفته السياسية. بين الإصلاح والحل

الدعوة إلى الحل ليست دعوة للانتقام، بل قد تكون – في نظر البعض – آخر أدوات الإنقاذ. فإذا كان الإصلاح الداخلي مستحيلًا، والهيكلة الحقيقية غير قابلة للتنفيذ، واستمرار الوضع يعني مزيدًا من الاستنزاف، فإن إعادة التأسيس قد تكون الخيار الأقل كلفة على المدى البعيد.

لكن إن وُجدت إرادة جادة للإصلاح، فإن الطريق واضح: تقليص الهياكل المترهلة إلغاء الامتيازات غير المبررة إخضاع الإنفاق لرقابة شفافة الفصل بين العمل السياسي والإداري

إعادة تعريف الدور بما يخدم مؤسسات الدولة لا يزاحمها الكيانات لا تُقدّس

لا يوجد كيان سياسي مقدس. الشرعية ليست صكًا أبديًا، بل عقدًا متجددًا مع الناس. ما دام المواطن يرى أثرًا إيجابيًا، يبقى الدعم. أما إذا شعر أن المشروع أصبح عبئًا على معيشته ومستقبل أبنائه، فإن المراجعة تصبح واجبًا وطنيًا.

القضية الجنوبية – كأي قضية عادلة – أكبر من أي إطار تنظيمي. والمستقبل لا يُبنى بكثرة المسميات، بل بكفاءة الإدارة ونظافة اليد ووضوح الرؤية.

قد يكون الوقت قد حان لمصارحة شجاعة: إما إصلاح جذري يعيد الكيان إلى حجمه الطبيعي ووظيفته الأصلية، أو إعادة تأسيس المشهد السياسي بما يفتح الباب لإصلاح حقيقي يخدم الوطن والمواطن.

التاريخ لا يرحم الكيانات التي تعجز عن مراجعة نفسها، لكنه ينصف الشعوب التي تمتلك شجاعة التصحيح.