أمريكا.. إمبراطورية اللحظة لا إمبراطورية التاريخ
في الخطاب السياسي المعاصر، تُقدَّم الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها ذروة القوة في التاريخ الإنساني، وكأنها النموذج الأخير للإنسان وحياته، بل النسخة النهائية للإمبراطوريات.
غير أن هذه النظرة — رغم وجاهتها في سياق اللحظة الراهنة — تعاني من قصرٍ في الأفق التاريخي؛ إذ تخلط بين "الأقوى الآن" و"الأعظم عبر التاريخ".
فالإمبراطوريات لا تُقاس فقط بما تملكه من سلاح أو اقتصاد، بل بمدى امتدادها في الوعي الإنساني، وعمق حضورها في الذاكرة الحضارية، وقدرتها على تجاوز حدود الجغرافيا إلى فضاءات الأسطورة، وغزارة المعنى، وقوة المبنى.
ومن هذا المنظور، تبدو الولايات المتحدة — رغم قوتها — إمبراطوريةً زمنية، أكثر منها مكانية أو حضارية بالمعنى العميق. فهي تهيمن على النظام الدولي، وتتحكم في الاقتصاد العالمي، وتمتلك أدوات ضخمة من القوة الصلبة والناعمة، لكنها في الوقت ذاته محكومة بإطار زمني قصير نسبيًا، ولم تتحول بعد إلى "أسطورة مؤسسة" في الوعي البشري، كما هو حال إمبراطوريات أقدم.
ولعل أبرز تعبير فكري عن هذا التصور ما طرحه "فرانسيس فوكوياما" في أطروحته الشهيرة "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"؛ حيث بدا وكأن اللحظة الليبرالية الأمريكية تمثل نهاية المسار الإنساني ذاته. غير أن التاريخ، في عناده الدائم، يثبت أن ما يُعلن كنهاية ليس إلا ذروة مؤقتة تسبق تحولات جديدة.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم والأكثر منطقية: هل كانت هناك إمبراطوريات في التاريخ فاقت — وفق معايير عصرها — ما تمثله الولايات المتحدة الأمريكية اليوم؟
في هذا السياق، لا يمكن إغفال نموذج حاضر في الذاكرة العربية والإسلامية، هو الملك "ذو القرنين" اليماني؛ بوصفه نموذجًا لملك بلغ من التمكين ما لم تبلغه إمبراطورية، قديمة أو حديثة. فقد ارتبط اسمه برحلات كونية إلى "مغرب الشمس ومطلعها"، وبفعل حضاري عظيم تمثل في بناء سدٍّ هائل لدرء خطر "يأجوج ومأجوج" عن البشرية لأمد طويل.
وهذا النموذج لا يُقرأ بوصفه قصة دينية فحسب، بل رمزًا لإمبراطورية بلغت — وفق تصور عصرها — أقصى حدود العالم المعروف، وسيطرت على المشارق والمغارب.
وفي السياق اليمني القديم، برزت حضارات مثل سبأ وحِمير، التي امتلكت قدرات فنية وهندسية وتنظيمية متقدمة، تجلت في بناء الدول والممالك، وإقامة السدود العظيمة، وتطويع الطبيعة وتسخيرها.
تعكس هذه النماذج اليمانية نوعًا مختلفًا من القوة؛ قوة الإبداع والتأسيس والسيطرة على البيئة، لا مجرد الهيمنة الجيوسياسية كما هو الحال في الإمبراطوريات الحديثة.
وبالتالي، فإن المقارنة بين "إمبراطورية تاريخية" و"إمبراطورية حديثة" ليست مقارنة كمية، بل نوعية، تتعلق بمفهوم القوة ذاته.
فأمريكا تمثل ذروة القوة التقنية والعسكرية في العصر الحديث، لكنها لم تبلغ بعد مرتبة "الرمز الكوني" الذي يختلط فيه التاريخ بالميتافيزيقا، ويُخلَّد في الوعي الجمعي كما في نموذج ذي القرنين.
وإذا كانت أمريكا تحكم العالم، فإن ذاكرة ذي القرنين — في المخيال الحضاري — تحكم العالم ومعناه.
إن أخطر ما تروّجه الإمبراطوريات المعاصرة أنها تمثل نهاية التاريخ، بينما يعلمنا التاريخ نفسه أن كل قوة — مهما بلغت — ليست إلا لحظة عابرة في مسار أطول بكثير.
فما يبدو اليوم مطلقًا، قد يصبح غدًا مجرد فصل في كتاب الإمبراطوريات المنسية.