المواطنة المتساوية في اليمن: حلم العدالة ومسار الدستور

عبدالمجيد عكروت

تُعدّ المواطنة المتساوية جوهر العقد السياسي الذي تقوم عليه الدول الحديثة، والأساس الذي تُبنى عليه شرعية السلطة، واستقرار المجتمع، ووحدة الدولة. فهي ليست مجرد مبدأ أخلاقي أو شعار سياسي، بل التزام دستوري وقانوني يحدد طبيعة العلاقة بين الفرد والدولة، ويضبط حدود الحقوق والواجبات على قاعدة المساواة الكاملة بين المواطنين.

وتتجلى الأصالة في هذا السياق على مستويين متكاملين.

فعلى المستوى الشخصي، تُقاس الأصالة بما يحمله الفرد من مكارم أخلاقية تعكس وعيه بذاته وبالآخرين، واحترامه لكرامة الإنسان، ورفضه لأي شكل من أشكال التمييز أو الاستعلاء.

أما على المستوى الوطني، فإن الأصالة تتحول إلى التزام سياسي وموقف عام، يتجسد في الانحياز الصريح لفكرة الدولة، واحترام الدستور، والدفاع عن مبدأ المساواة بوصفه شرطًا لا غنى عنه لبقاء الجمهورية ومعناها.

وفي الحالة اليمنية، لا يمكن فصل الحديث عن المواطنة المتساوية عن السياق التاريخي والسياسي الذي تشكّلت فيه الدولة الحديثة. فقد جاءت الجمهورية اليمنية، في أصلها، بوصفها مشروع قطيعة مع أنماط الحكم السلالي، ومع الامتيازات الوراثية التي حكمت المجتمع لعقود طويلة. وقد عبّرت الوثائق الدستورية اليمنية، منذ قيام الجمهورية، عن هذا التحول، حين أكدت أن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، وأن الدولة تقوم على مبدأ سيادة القانون، لا على التفاضل الاجتماعي أو العرقي أو المناطقي.

غير أن هذا المبدأ ظل، في كثير من الأحيان، معطّلًا في الواقع، بسبب استمرار البنية الطبقية التي ورثها المجتمع من النظام الإمامي، والتي قامت على تصنيف الناس وفرزهم إلى مراتب مثل: هاشمي، وقبيلي، ومزين. وهي تقسيمات لا تتعارض فقط مع روح الإسلام ومقاصده الكبرى، بل تتناقض أيضًا مع الفلسفة الدستورية للجمهورية، التي تفترض مساواة المواطنين أمام القانون، وتجريم أي تمييز يمس الكرامة الإنسانية أو يحدّ من المشاركة العامة.

إن خطورة هذه التقسيمات لا تكمن في بعدها الاجتماعي فحسب، بل في تسييسها واستخدامها أداةً لإعادة إنتاج النفوذ، وشرعنة الإقصاء، وتبرير الاستحواذ على المجال العام. فحين يُعاد تعريف المواطن وفق أصله لا وفق حقوقه الدستورية، وحين يُمنح البعض موقعًا فوق القانون بحجة النسب أو الاصطفاء، فإن ذلك يمثل تقويضًا مباشرًا لمبدأ سيادة القانون، وانتهاكًا لفكرة الدولة ذاتها.

كما أن هذه الممارسات تُفرغ النصوص الدستورية من مضمونها، وتحول المساواة من التزام ملزم إلى مجرد إعلان نظري، وهو ما انعكس سلبًا على بنية الدولة، وعلى الثقة العامة بالمؤسسات، وعلى قدرة النظام السياسي على إنتاج عقد اجتماعي جامع. فلا يمكن الحديث عن دولة قانون في ظل مواطنين غير متساوين، ولا عن وحدة وطنية في ظل تراتبية اجتماعية غير معلنة لكنها فاعلة.

إن الدفاع عن المواطنة المتساوية، في السياق اليمني، هو دفاع عن الدستور باعتباره مرجعية جامعة، وعن القانون بوصفه أداة لضبط العلاقات الاجتماعية والسياسية، لا وسيلة لخدمة فئة أو طبقة. وهو أيضًا رفض واعٍ لأي محاولة لإعادة تأويل الدين أو التاريخ أو العرف بما يتناقض مع مبادئ الجمهورية، ويمنح شرعية جديدة لأفكار تجاوزها الزمن والدولة الحديثة.

ومن هذا المنطلق، فإن الأصالة الوطنية لا تُقاس بالانتماء السلالي، ولا بالموقع الاجتماعي، بل بالالتزام العملي بقيم الدولة المدنية، وبالقدرة على تحويل النصوص الدستورية إلى واقع معاش، يحفظ كرامة الإنسان، ويكفل له حقه الكامل في المشاركة السياسية والاجتماعية دون وصاية أو تمييز.

إن المواطنة المتساوية ليست مطلبًا نخبويًا ولا خطابًا مثاليًا، بل شرطًا ضروريًا لإعادة بناء الدولة اليمنية على أسس سليمة. فهي الطريق نحو استعادة معنى الجمهورية، وتحصين المجتمع من الانقسام، وبناء يمن يتسع لجميع أبنائه، على قاعدة الحق المتساوي، والواجب المشترك، والانتماء الوطني الجامع