حينما تدار السيادة اليمنية بتوقيت طهران
في سياق تصاعد التهديدات الإقليمية، لوّح زعيم جماعة الحوثي، عبد الملك الحوثي، بانخراط محتمل لجماعته في أي مواجهة عسكرية إلى جانب إيران، بالتوازي مع تحذيرات طهران من توسيع نطاق الصراع عبر "جبهة باب المندب" في حال أقدمت الولايات المتحدة على احتلال جزرها، أو أي أجزاء من الأراضي الإيرانية وأوضح الحوثي، في خطاب ما يسمى يمناسبة "اليوم الوطني للصمود"، أن جماعته مستعدة للتحرك عسكريًا دون تردد في أي صراع تعتبره جزءًا من المواجهة مع إسرائيل أو واشنطن.
يخطئ من يقرأ التهديدات و التصعيد الخطابي الحوثي الجاري في مضيق باب المندب بمعزل عن الخريطة الإقليمية الكبرى؛ فهو ليس مجرد ارتداد لأزمة يمنية محليّة، بل حلقة وصل جوهرية ضمن ما يُعرف بـ 'سلسلة الاختناق البحري' الممتدة من الخليج إلى المتوسط. إن المشهد الراهن لا يعكس توتراً عابراً، بل يكشف عن ولادة مفاهيم جديدة للممرات المائية، التي لم تعد مجرد قنوات عبور صامتة، بل غدت شرايين حيوية تمنح المسيطر عليها قدرة هائلة على 'الابتزاز الجيوسياسي'. ومع تدفق خُمس نفط العالم عبر هرمز، وارتباط مصير قناة السويس بسلامة المندب، نجد أنفسنا أمام صراع دولي يُدار ببراعة فوق هذه العقد المائية الحساسة.
هذا التحول المفاهيمي للممرات المائية أعاد صياغة أدوار الفاعلين المحليين؛ فمن رحم هذا الاضطراب، انبعث دور الحوثيين كـ 'فاعل بحري' عابر للحدود، لكن هذا التحول لا يعكس قراراً سيادياً حوثياً بل "منصة إطلاق استراتيجية" ضمن مفهوم "وحدة الساحات" الإيراني.
العارف ببواطن الأمور يدرك أن قرارات التصعيد هي إيرانية بامتياز، حيث تدار العمليات تحت إشراف مباشر من خبراء الحرس الثوري المقيمين في اليمن. وتتجلى تبعية هذا الدور في كون التهديدات الحوثية بإغلاق الملاحة تأتي كصدى مباشر لحماية المركز؛ وتحديداً كأداة ردع لمنع أي استهداف لجزيرة "خارك" الإيرانية أو محاولة كسر هيمنة طهران على هرمز بالقوة.
إن طهران تدير المشهد عبر هندسة 'الردع غير المتكافئ'؛ مستخدمة شبكة موزعة تتيح لها تعدد ساحات الضغط. وكما يرى أنتوني كورديسمان، فإن الاعتماد على 'الحرب الهجينة' ليس مجرد خيار عسكري، بل هو وسيلة لتعويض الفجوة في القوة التقليدية. وهذا يمنح طهران ثلاث مزايا ذهبية:
تحقيق نفوذ إقليمي متمدد: عبر استراتيجية "التمدد في الفراغات" واستغلال الواقع العربي المتأزم لبناء أذرع استراتيجية كما يصفها المفكر عبدالله النفيسي.
إنكار المسؤولية المباشرة: حيث تتيح حرب الوكلاء لطهران ممارسة الضغط الدولي وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة مع القوى الكبرى.
خلق عمق استراتيجي مزدوج: يربط بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر، مما يجعل التهديد "دائرياً" يطوق المنطقة من الشمال والجنوب.
وتبرز المفارقة الكبرى في توظيف "الشعارات الثورية" لخدمة أجندات براغماتية؛ فبينما يتم تسويق العمليات كدعم لقضايا عادلة، تؤكد الوقائع الجيوسياسية أنها مجرد "أوراق تفاوض". ويرى الباحث فالي نصر أن طهران تستخدم هذه المضايق "كورقة ضغط وليس كسلاح انتحاري"، وهو ما يتسق مع رؤية كينيث بولاك بأن الهدف ليس الإغلاق الفعلي بقدر ما هو خلق "تهديد دائم" يرفع كلفة المواجهة مع طهران إلى مستويات غير مسبوقة.
ختاماً، إن الاستمرار في التعامل مع "الطرف" الحوثي كفاعل مستقل هو خطأ استراتيجي؛ إذ لا يمكن تأمين الملاحة دون معالجة "المركز" في طهران الذي يحرك هذه الادوات. إن الضرورة تقتضي اليوم صياغة مفهوم حقيقي لـ "الأمن البحري العربي" كبديل استراتيجي وحيد للتدخلات الغربية والايرانية ، بحيث يربط بين أمن الخليج والبحر الأحمر بشكل تكاملي. يقول وزير الخارجية الامريكي السابق هنري كيسنجر، إن "التحكم في طرق الطاقة يظل عنصراً مركزياً في القوة العالمية"، ومما يوجب على المنطقة العربية استعادة زمام أمنها القومي، وتحييد الأوراق التي تستثمر فيها القوى التوسعية لملء الفراغات الجيوسياسية".