هيثم قاسم طاهر: سيرة هزائم ممتدة من يناير 1986 إلى سقوط مشروع الانتقام
تكاد تكون معارك 13 يناير الدموية هي الانتصار الوحيد الذي حققه الجنرال هيثم قاسم طاهر، الذي تولى وزارة الدفاع في أول حكومة لليمن الموحد 1990-1994م، قبل أن تحل به الهزيمة المدوية على يد قوات الشرعية الدستورية في حرب صيف 94، ليغادر لاجئا خارج البلاد، يسترجع مذكراته وذكرياته البائسة.
بعد استقراره في إحدى دول الخليج قطع عليه أحد الصحفيين خلوته وسأله عن أسباب هزيمة جيشه في الحرب، فقال باقتضاب: واجهنا جيشاً لا يعرف شيئا اسمه الرجوع إلى الوراء.
قائد سلاح المدرعات اختار الوقوف إلى جانب أبناء منطقته في مواجهات 13 يناير1986، بين الطغمة (الضالع وردفان)، ضد الرمزة (أبين وشبوة)، وقد استطاعت المدرعات التي اقتحمت مناطق الاشتباك أن تغير موازين القوة، ويعلن انتصار الجناح الذي ينتمي إليه هيثم قاسم.
بعد هزيمة 1994 انزوى هيثم بعيدا عن الأضواء، حتى تم استدعاؤه في أعقاب تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية، وإعلان عاصفة الحزم لدعم الشرعية اليمنية ومواجهة الانقلاب الحوثي، وأصبح واحدا من القيادات في جبهة الساحل الغربي، صمن عشرات القادة المنتشرين، محاولا تناسي أنه كان يوما وزيرا للدفاع، وتحت يديه قوة ضاربة، هو في العام 2015، مجرد قائد لواء اسمه اللواء 20، ويضم عددا من الجنود من أبناء منطقته ردفان.
حققت الألوية التي تضم سلفيين وقبليين من أبناء الصبيحة وتهامة انتصارات جديدة في جبهات الساحل، فيما كانت أخبار الجنرال تتوارى خلف أعمال السرقة والاختلاس التي طالت سيارات وأسلحة اللواء الذي يقوده، لتبدأ انسحابات جنوده بحثا عن وحدات وألوية وتشكيلات جديدة تحظى بالدعم والمصداقية والسمعة الحسنة التي لم تعد متوفرة في اللواء الذي يقوده جنرالٌ ارتبط اسمه بتداعيات الحرب الباردة في جنوب الجزيرة العربية.
بدلا من أن تشكل مشاركة هيثم في الحرب الراهنة إضافة جديدة يمكنه من خلالها ترميم صورته المهشمة على وقع عشرات الهزائم والانتكاسات والإخفاقات التي لازمته، وكان كلما تذكر أنه يحارب في صفوف (الشرعية الدستورية) التي قوضت أحلامه قبل عقدين من الزمن، أدرك أن الهزيمة تساوي الانتصار لأن المستفيد من انتصارات اليوم هو الرئيس عبدربه منصور هادي الذي كان يقف على رأس جيش الخصوم في الحرب التي اشتعلت ذات صيف لم تنقض سحابته إلا بعد ما غادر الهيثم ورفاقه مهزومين.
الجنرال الذي لم يستطع المحافظة على ممتلكات لوائه العسكري من سيارات وعربات وأسلحة، ظل محتفظا بأحقاده الدفينة وضغائنه التي غذاها داعموه ضد الشرعية- أي شرعية كانت، حتى لو كانت هذه الشرعية هي التي منحته الثقة مرة أخرى وعينته رئيسا للجنة العسكرية والأمنية العليا المخولة بهيكلة الجيش والتشكيلات المسلحة. ذلك أنه بعد أيام قليلة من تعيينه على رأس هذه اللجنة أطلق تهديده تجاه منتسبي الشرعية في المنطقة العسكرية الأولى، مؤكدا لمشغليه الجدد أنه لابد من استخدام القوة لطرد هذه الوحدات العسكرية، رغم كونها تتبع وزارة الدفاع والحكومة الشرعية.
أخذ ضباط أبوظبي تهديدات العسكري السبعيني على محمل الجد، وعندما قررت أبو ظبي تحريك قوات الانتقالي لاجتياح حضرموت والمهرة، كان الجنرال المسكون بأحقاد القرن الماضي على أهبة الاستعداد للمشاركة في تصفية آخر ما تبقى من قوة عسكرية للجيش اليمني في وادي وصحراء حضرموت والمهرة. فقد صرخ مارد الانتقام في أعماقه، ورأى أنها فرصته الأخيرة التي لن تتكرر، قوة ضاربة متأهبة ومدعومة بمختلف أنواع الأسلحة وتجييش مناطقي وعنصري على كل المستويات، كل هذا سيكون متاحاً لتصفية ثأر مضى عليه أكثر من ربع قرن.
مشاركة هيثم أقل فاعلية من مشاركة الضباط الإماراتيين الذين بيدهم التوجيه والمال والتعليمات، كما هي أقل من مشاركة القادة الميدانيين الذين كانوا أطفالا عندما بدأ يقود حروبه الخاسرة، لكنه يشعر أنه وجد في هذه المشاركة انتقاما يخفف ولو جانباً من ضغائنه وأحقاده القديمة. يطوي قائد الهزيمة المزمن آخر أيامه- ومعها آخر معاركه- بخسارة وانكسار وهزيمة أمام استعادة الدولة اليمنية هيبتها ووجودها وقتها على أنقاض تشكيلات اتكأ الجنرال عليها وهو يخطو صوب الانتقام، لكنه – كما كل مرة- يسقط على وقع الهزيمة المدوية.