إلى عفافيشنا الأعزاء.. بكل هدوء

يحيى الثلايا

عصر يوم الرابع من ديسمبر عام 2017م، تلقيت اتصالاً من قناة الجزيرة الإخبارية، تطلب مني المشاركة في تغطيتها المباشرة مواجهات صنعاء التي تدور منذ يومين بين حليفي الانقلاب آنذاك.

كانت مواقع التواصل الاجتماعي قد بدأت للتو نشر مقاطع مصورة وثقت فيها ميلشيات السلالة صورة الرئيس الأسبق صالح قتيلاً، كانت تمارس على جثمانه تمثيلاً بشعاً وتشفياً سافراً بتمكنها من تصفيته بالقرب من مسقط رأسه في سنحان التي حاول الفرار إليها من منزله المحاصر داخل العاصمة.

وافقت للجزيرة على الظهور، كان السؤال الأول للمذيع يسألني عن مستجدات الاحداث، فاستهللت إجابتي بهذه العبارات: "أنعي إلى أبناء شعبنا اليمني في الداخل والخارج وإلى كل الأحرار في بلادنا استشهاد الرئيس السابق علي عبدالله صالح رحمه الله برصاص الغدر والمكر الامامي الفاكر والمتربص بشعبنا وامتنا منذ قرون".

"إن حادثة استشهاد وتصفية الرئيس السابق علي عبدالله صالح، مؤلمة وبشعة هزت البلاد وآلمت كل يمني، يجب أن توحدنا جميعا لرص الصفوف مجددا لمجابهة واسقاط الامامة البغيضة".

"حسبنا اليوم أن صالح استشهد بعد إعلانه مفارقة تحالفه المدمر معهم، بعد أن غدروا به كعادتهم في الغدر والنكث بكل العهود".

"يجب علينا اليوم جميعا كيمنيين أن نطوي كل صفحات وملفات الشقاق بتوجيه سهامنا لعدونا المتربص، ادعو عبر قناتكم قيادتنا السياسية والمكونات الوطنية لفتح صدرها وأبوابها أمام كل إخواننا من أنصار الرئيس صالح في حزب المؤتمر الشعبي العام والضباطه والمشايخ والساسة الذين انخرطوا معه في تحالف الانقلاب".

"كما ادعو أيضا إخوتنا وأهلنا في المؤتمر الشعبي العام وبالذات من كتب لهم النجاة من أسرة الرئيس صالح، للالتحاق بقيادتهم الشرعية وإخوانهم الأحرار الذين يدافعون عن الجمهورية والدولة".

اتصال قناة الجزيرة ذاك كان آخر اتصال بي من القناة للمشاركة في تغطياتها ولا أدري إن كان مضمون خطابي هو السبب، كتبت أيضاً على حائطي يومها والأيام التالية منشورات بنفس هذه اللغة وهو طبعاً الكلام الذي يجب أن يقال.

في الوقت ذاته ولأيام متتالية كانت قناة المسيرة تحشر أبرز ضباط ومشايح وقيادات وساسة الرئيس صالح بطريقة مهينة وتسوقهم بشكل جماعي فج للظهور على الشاشة لشتم وإدانة "زعيم الخيانة عفاش" بحسب تسميتهم، كانوا يباركون للقيادة الربانية الحكيمة إخماد فتنته وتصفيته ويكررون البراءة منه ويشتمونه بألفاظ سوقية!.

لا يمكن لي أبداً نسيان مشهد المجلس الذي كانت حتى اضاءته رديئة كأنه زريبة أبقار، وقد حشروا إليه في محافظة عمران كم كبير من نواب وضباط ومشايخ وساسة كلهم خرجوا يلعنون زعيم الخيانة صالح ويتبرأون منه ويباركون اخماد فتنته!.

يا إلهي .. هذه الوجوه نفسها حتى قبل ساعات كانت تلهج باسمه كزعيم مقدس، هم انفسهم بالاسم والرسم الذين احتشدوا وتقاطروا قبل سنوات يسيرة لتشجيع واسناد غلمان الامامة كي يسقطوا محافظة عمران لتخليصهم من القشيبي ودماج وحزب الاصلاح.

هذه هي الوجوه التي رقصت على جراحنا واقتحمت منازلنا في عمران واحتلت بيوتنا، وتشفوا علينا كنازحين ومشردين في الصحراء المحاطة بمقاتلي تحالفهم المشين!.

هم انفسهم الذين تقاطروا قبل أشهر من سقوط عمران إلى العاصمة صنعاء للاجتماع برئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي، طلبوا منه ازالة اسباب التوتر في عمران والمتمثلة تحديدا في محافظ عمران محمد حسن دماج وقائد اللواء 310 مدرع العميد حميد القشيبي!.

نعم والله، هم دون بني هاشم زعموا أن أسباب التوتر في عمران هي محمد دماج وحميد القشيبي وبيت الأحمر، ولذا استجاب هادي لمطالب قيادات ومشايخ حزب المؤتمر في عمران واقال المحافظ محمد دماج.

أما السلالة التي كانت تجتاح البلاد لإعادة الامامة، فلم تكن ستفرق أبدا بين المحافظ محمد حسن دماج والمحافظ اللاحق محمد صالح شملان. حين كنت بين غبار مارب أبكي (الرئيس الشهيد صالح)، على قناة الجزيرة، تحاشر على قناة المسيرة كل الذين فرشوا أحداقهم وخدودهم للحوثيين وحملوهم على الاعناق نحو بيوتنا ومساجدنا ومدارسنا ومكاتبنا ومقراتنا ابتداء من الخمري ودنان وحجور وريدة والجنات والمحشاش وارحب والفرقة ومذبح وحتى عدن، تقاطروا فجأة في قناة بدر الدين لادانة من سموه (زعيم الخيانة الملعون عفاش).

كل الأحزاب السياسية المؤيدة للشرعية نعت صالح ووصفته  بالشهيد، خرج رئيس الجمهورية "عبد ربه منصور هادي" مساء ذات اليوم بخطاب رسمي ينعي الرئيس السابق ويتضامن مع رفاقه وكل أفراد أسرته.

أما "يحيى محمد عبدالله صالح"، نجل شقيق الرئيس المغدور فظهر يومها ينعي عمه (الزعيم) ويحمل مسؤولية دمه الشعب اليمني ويلقي باللوم على العدوان السعودي دون أن يشير حتى بكلمة إدانة واحدة لقتلة عمه، واعتبر أن مقتله فرصة هامة لمصالحة وطنية تستثني الرئيس هادي.

أتذكر واستحضر اليوم تلك اللحظات، بسبب ما رأيناه ونراه من استماتة فجة ولغة هابطة من طيف واسع تجاه نبأ وفاة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي رحمه الله، والمجاهرة في التعبير عن امتعاضهم من نعي الناس لرئيس الجمهورية اليمنية الذي توفاه الله مبعدا عن بلاده  نتيجة انقلاب آثم كانوا هم فيه شركاء ودعاة.

صفاقات وابتذال واسفاف مريع يخلو حتى من احترام الموت واعراف العرب، لكنها قبل ذلك تخلوا من أي منطق للحقيقة والحق والقراءة المحايدة للاحداث.

ما الذي تنقمون على هادي مما لم تفعلوه أنتم؟ لماذا هذه الاستماتة المتبجحة في محاولة تنظيف وساخاتكم وخطاياكم في وجهه وحياته وجثمانه؟!. نيمكن ادانة ونقد الرئيس الراحل عبد ربه منصور هادي رحمه الله بكثير من التقصير والتباطؤ في معركتنا مع الامامة، وفي مواجهة مكائدكم ضد الشعب، لكنه ليس متهما بالخيانة أبداً.

فيما هناك من خان، وهناك من تحالف مع الإمامة سراً ثم علنا، هناك من حملوها على حدقاتهم من مطرة إلى عدن، هناك من قاتلوا معها وشاركوها حصار منازلنا ومدننا وقرانا، بما فيها بيت الراحل هادي نفسه.

الموت حق وهو قدر الله على كل الكائنات، لكن هناك فرق بين التقصير والخيانات، وتختلف المواقف وما هو الذي يفترض أن يقال في كل موقف. ورحمة الله تغشى كل من مات على الحق دون خيانة ولا نكوص.