عدن بين فشل الشرعية وغياب مشروع الدولة
يعكس وضع عدن اليوم حجم الفشل الذي تعيشه السلطة الشرعية بمختلف مكوناتها. فالمدينة التي أُعلنت عاصمة مؤقتة بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء لم تكن مجرد بديل إداري للعاصمة، بل كانت تمثل مشروع الشرعية المعترف بها دولياً، في مقابل صنعاء التي أصبحت مركزاً لمشروع الحوثيين.
ومن هذا المنطلق كان يُفترض أن تكون عدن قاعدة الدفاع عن الدولة اليمنية ومخرجات الحوار الوطني، وفي مقدمتها مشروع الدولة الاتحادية الذي رفضه الحوثيون ونظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زالت عدن تمثل فعلاً منطلق الدفاع عن الدولة الاتحادية ومشروع الحوار الوطني؟
تكمن المشكلة في أن الشرعية التي حملت في بداياتها مشروع استعادة الدولة ومخرجات الحوار لم تعد هي نفسها الشرعية التي نراها اليوم. فقد انخرطت في صفوفها قوى وشخصيات كانت جزءاً أساسياً من النظام الذي انقلب على تلك المخرجات وساهم في تسليم البلاد للحوثيين. وعندما اختلفت هذه القوى مع الحوثيين وجدت في الشرعية ملاذاً سياسياً وعسكرياً.
وفي الوقت نفسه تحالفت الشرعية مع قوى تحمل مشاريع مغايرة لمشروع الدولة الاتحادية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يتبنى مشروع الانفصال، وشُكّلت له قوات مسلحة تدفع باتجاه تحقيق هذا الهدف.
وهكذا أصبحت الشرعية ساحة لتناقضات سياسية ومشاريع متعارضة، الأمر الذي أضعف قدرتها على الدفاع عن مشروعها الأصلي.
وأمام هذا الواقع يبرز تساؤل جوهري: أي دولة يجري الحديث عن استعادتها؟ هل هي دولة النظام الذي رفض مخرجات الحوار الوطني ووقف ضد الثورة التي فرضت مسار التغيير؟ أم دولة الانفصال التي يسعى إليها الانتقالي؟ أم أنها الدولة الاتحادية التي توافق عليها اليمنيون في مؤتمر الحوار الوطني؟
فلم يتبقَّ داخل الشرعية سوى قوى محدودة ما زالت تحاول التمسك بمشروع الدولة الاتحادية وإقناع محيطها بأنه المخرج الحقيقي من الأزمة اليمنية. غير أن حالة الانقسام المستمرة جعلت جهودها عاجزة عن استعادة زمام المبادرة، فبقيت الشرعية تعاني من التشظي وتبحث بين الحين والآخر عن صيغ جديدة لإعادة ترتيب صفوفها دون نجاح حقيقي.
والنتيجة أن الفشل ما زال قائماً، وعدن ما زالت تدفع الثمن. أزمة الكهرباء مستمرة، والخدمات تتراجع، والرواتب غير منتظمة، والانفلات الأمني لم يتوقف، والإيرادات لم تُضبط بالشكل المطلوب، فيما انشغل كثير من المسؤولين بمشاريعهم الصغيرة وحساباتهم الضيقة بدلاً من التركيز على مشروع استعادة الدولة وخدمة المواطنين.
وفي المقابل يعيش الناس حالة متزايدة من الغضب والاحتقان. غير أن أي انفجار شعبي في ظل الانقسام القائم قد يتحول إلى وقود جديد للصراعات السياسية، فتُستغل معاناة المواطنين لتغذية مشاريع متنافسة بدلاً من أن تتحول إلى قوة ضاغطة لبناء الدولة.
لذلك فإن المخرج الحقيقي يكمن في أن تتوحد الجهود حول مشروع الدولة الاتحادية بوصفه القاسم المشترك القادر على إنهاء حالة الاستقطاب الحاد. المطلوب اليوم ليس مهرجانات تعزز الانقسام، بل حراك وطني واسع يعيد الاعتبار لمخرجات الحوار الوطني ويجعل من استعادة الدولة هدفاً جامعاً لكل اليمنيين.
فعندما يتحول الغضب الشعبي إلى مشروع دولة، لا إلى أداة في صراعات القوى المتنافسة، يمكن حينها الحديث عن بداية الخروج من الأزمة ووضع حد لحالة الفشل التي تدفع عدن واليمن بأكمله ثمنها كل يوم.