مذكرات الفسيل (4): حاكم القطران وشيخ المجاذيب
يشرح المناضل محمد عبدالله الفسيل في مذكراته كيف أن الإمام يحيى حميد الدين، بعد أن أصبح حاكمًا لليمن الشمالي ابتداءً من عام 1918م، عقب خروج الأتراك من اليمن، وحتى مقتله عام 1948م، انتهج سياسة قائمة على اللؤم والتضليل. فلم يعد يلجأ إلى قتل من لا يرضى عنهم كما كان يفعل سابقًا، بل أصبح – بكل ما في نفسه من حقد ولؤم – يلجأ إما إلى تهميشهم واستبعادهم وإذلالهم، أو إلى الزجّ بهم في السجون الرهيبة في صنعاء ووشحة والسنارة. وفي كلتا الحالتين، كان أسلوبه قائمًا على التجويع والإذلال لمن لا يرضى عنهم.
ويضرب الفسيل مثالًا بالعالم الكبير القاضي عبدالوهاب الشماحي، والد القاضي عبدالله الشماحي، الذي كان من كبار العلماء في عهد الإمام المنصور. فقد جاء إلى مقام الإمام ودخل ديوانه، فأراد الإمام يحيى إذلاله أمام حاشيته، وقال له بمجرد دخوله: “يا قاضي عبدالوهاب، هل نسيتم الآية: (فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ)”.
فعاد الشماحي من الباب، وسافر إلى ضفير حجة، وبقي هناك حتى مات بعد أيام، وأشاع الناس أنه مات من القهر.
كما يروي الفسيل أنه بعد دخول الإمام يحيى صنعاء عام 1922م، أثار موضوع استيلائه على المدينة دون حرب، واعتبر صنعاء غنيمة له، فرد عليه العالم زيد الديلمي ساخرًا: “يا مولانا، كل واحد منا يبرز فصل أبوه وجده، وما في الفصل هو ملكه، وما خارج الفصل ملك غيره”. في إشارة إلى أن صنعاء دار إسلام وليست غنيمة حرب. فسكت الإمام، لكنه أضمر الحقد عليه. وذات يوم كان زيد الديلمي في حمام المتوكل القريب من قصر الإمام، فأرسل إليه الإمام خمسة من عكفته المسلحين لإحضاره فورًا. لكن الديلمي أدرك مقصد الإمام، فقال لهم: “عودوا إلى من أرسلكم، وقولوا له: يقولك زيد: (ما شاموت شيه)”. وهي عبارة بلهجة أهل ذمار، تشير إلى موت القاضي عبدالوهاب الشماحي قهرًا، بمعنى: “لن أموت قهرًا مثله”.
ويذكر الفسيل أيضًا أن في صنعاء عالمًا كبيرًا كان يدرّس في الجامع الكبير ويخطب الجمعة، وقد تعمد الإمام تهميشه وإفقاره. وعندما اشتد به الفقر، ذهب إلى ديوان الإمام طالبًا اعتماد معاش شهري، لكن الإمام تجاهله ولم يرد عليه. فكتب إليه أبياتًا يقول فيها: تراني مقبلًا فتصدّ عني سيغنيني الذي أغناك عني كأن الله لم يخلق سواك فلا فقري يدوم ولا غناك ثم رمى الورقة وغادر، ولم يعد إلى مقابلة الإمام حتى مات. ويقول الفسيل إن هذه مجرد نماذج من أساليب الإمام يحيى في إذلال العلماء والوجهاء، وإن الأمثلة على ذلك بالمئات. أما في تعامله مع عامة الناس، فيرى الفسيل أن الإمام انتقل من تكوين “المدافعين عن البيوت” إلى تكوين “المدافعين عن العقول”، فجنّد جماعات تنتشر في المدن والقرى لنشر الدعاية المضللة عنه. وكان أكثر هؤلاء يظهرون على هيئة “مجاذيب”، وهم – في الثقافة الشعبية اليمنية – أشخاص يُعتقد أن الجن يسكنهم، فيبدون نصف عقلاء ونصف مجانين، يرتدون ملابس غريبة ويحملون عصيًا طويلة، ويتجولون في الأسواق والشوارع وهم يخاطبون الناس. ويقول الفسيل إن هؤلاء المجاذيب كانوا يروّجون الخرافات والدجل عن الإمام، بما يؤدي إلى قتل ملكة التفكير لدى الناس، وإغراق عقولهم بالأساطير. ويضيف: “أذكر وأنا في العاشرة أو الحادية عشرة من عمري أن أحد هؤلاء المجاذيب كان يمر في شوارع وأسواق صنعاء، بملابسه الغريبة وعصاه الطويلة، ويخاطب الناس بصوت مرتفع: يا أيها الناس، علّموا أولادكم الصلاة، وعلّموهم حب آل البيت، وعلّموهم حب الإمام، إمام الزمان، ظل الله في الأرض. إن الله قد سخّر له الجن والملائكة، وإنه من أهل الخطوة، ينتقل في لحظة إلى أي مكان في الأرض، إنه يصلي الفجر في مكة ثم يعود إلى بيته… سبحان الله، سبحان الله”. ويقول الفسيل إنه كان يستمع إلى ذلك مأخوذًا به، حتى استقرت صورة الإمام بكل قداستها في عقله، وأصبح الإمام في نظره كائنًا مقدسًا، وهو ما أدى – بحسب وصفه – إلى تدمير ملكة التفكير في عقول الناس وإغراقها بالخرافة. ويروي الفسيل حادثة أخرى تكشف – في نظره – طبيعة العلاقة التي بناها الإمام مع المجتمع. إذ جلس القاضي عبدالله العمري مع الإمام يومًا، وأخبره أن السخط على سياسته قد انتشر بين الناس، ونصحه بإجراء إصلاحات في الحكم. فقال له الإمام: “يا قاضي عبدالله، صدقت. الزناقلة عدد قليل، أما الشعب ففي غفلته الدائمة، وسوف أريك ذلك”. ثم أشاع الإمام في صنعاء أن “ملك الجن” قد مات في سايلة نقم، وأن الجن أصبحوا “فالتين”، وقد يدخلون بيوت الناس وأجسادهم، وأن الوسيلة الوحيدة لطردهم هي دهن الجباه وأبواب البيوت بالقطران. وفي اليوم التالي خرج الإمام مع وزيره، فرأى الناس قد دهنوا جباههم بالقطران فعلًا. فقال الإمام لوزيره: “الزناقلة وحدهم لا يقطرنون جباههم، أما الشعب فانظر إليه”. ويختم الفسيل القصة بسخرية مريرة، قائلًا إن الإمام نفسه لم يقطرن جبهته، لأن الجن – كما كان يُشاع – لا يقتربون منه.