سجون الحوثي.. القبور التي يدفن فيها الأحياء

عمر عبدالله الخياري

ينتزعك من تلك اليد الحنونة التي تضع الخبز المغموس بعسل العطف في فمك ليبدلك عنها يدا قاسية تضع بين يديك كسرة ملطخة بأدران الطائفية البغيظة وقطرات العصبية المقيتة، ويخطفك من حضن الأسرة الدافئ الذي تنعم فيه بالسكن والمودة والبهجة إلى جدران زنزانة باردة صامتة، وينقلك من نشوتك بسماع زغردة أطفالك وطربك بضحكاتهم إلى صوت عتل غليظ يصرخ بين يديك بأقذع ألفاظ التهديد والوعيد، ومن بين أبويك وأهلك وأحبابك قرة عينك وفلذات كبدك ورياحين حياتك ينقض عليك ليرمي بك في زنزانة انفرادية منتنة ملطخة بقصص الإجرام والطغيان مجتهدا في كل الأحوال أن يحجب عنك شمس الحرية ليهوي بك إلى قعر العبودية المظلمة.

الحديث عن سجون مليشيا الحوثي الإرهابية حديث عن الألم والمعاناة والمرارة والإرهاب والظلم الأصم الأعمى الذي لا يسمع آهات نزلائه ولا يرى ما حاق بهم، ولا يفرق بين الصحيح والعليل، والصغير والكبير، فعندما تصبح رؤية الشمس أمنية تهمس بها أفواه مقيَّدة بكلمات مكبلة، تبدو المعاني مشتتة بين الحنين لتنسم عبق الحرية، والرغبة في الانعتاق من ظلمة السجن المطبقة؛ عندها لا يستطيعُ الحِبرُ مجاراةَ الدم أو الدمع، وليس مطلوباً منه ذلك، لكنه على الأقلّ يستطيعُ المساهمة في التصدّي لعمليّات الطمْس والنسيان ونقل ولو قطرات من بحر الآلام والأحزان التي يتجرعها المختطفون في القبور التي صممت خصيصا لدفن الأحياء وقوفا (الزنازين الانفرادية) التي تتقن تلك الميليشيات رمي المناوئين لها في قعرها وتذيقهم فنون الإذلال وآهات النسيان.

11سنة بين السجن والقيود:

ما فتئت مليشيا الحوثي منذ انقلابها المشؤوم في 21من سبتمبر 2014 تتخذ من السجون والزنازين المظلمة مأوى لكثير ممن لم يؤمن بخرافاتها - المقدسة ـ ولم ينضو تحت راياتها الطائفية، أو يرفض سياستها البغيضة، أو يطالب بحقوقه ورواتبه المصادرة.

ومنذ ذلك التأريخ المشؤوم وهي تمارس الإرهاب السلالي بحق اليمنيين فلا يمر يوم دون أن تخطف أو تعتقل مواطنا هنا أو هناك في المناطق التي ما تزال تئن تحت سيطرتها، وقد امتلأت جميع السجون والإصلاحيات في جميع المحافظات غير المحررة بالمختطفين الأبرياء، ما جعلها تلجأ إلى تحويل العديد من المعسكرات والمصالح الحكومية والفلل والبيوت المنهوبة إلى سجون أخرى تمارس فيها أبشع الجرائم بحق النزلاء الذين يقبعون فيها، كما أنشأت سجونا سرية خاصة لا تقل فداحة عن سابقاتها.

وهناك مختطفون ما يزالون يرزحون تحت عذابات السجون منذ 11 سنة وعدة أشهر، لم يروا فيها شمسا، ولم يستنشقوا ريح أطفالهم، الذين شب بعضهم وهم مغيبون في دهاليز سجون المليشيات، وهناك مختطفون لا يعرف عنهم أي شيء فقد منعت الميليشيات عن أهليهم أي معلومة تخص مختطفهم كالمناضل الكبير الأستاذ محمد قحطان، وهناك طلاب جامعيون اختطفوا من كلياتهم وحيل بينهم وبين أحلامهم العلمية الكبيرة، وهناك مدرسون جامعيون لاقوا نفس المصير لم تشفع لهم شهاداتهم شيئا عند أرباب الجهل وصناع الخرافة، وهناك أطفال زج بهم في السجون وهم دون الثامنة عشرة كبروا داخل السجن، وهناك اختطاف لنساء وهذه سابقة في حق بنات اليمن إذ يعد خطف النساء "عيبا أسودا" في عرف القبائل اليمنية.

لا دواء ولا أطباء:

وفي أحضان تلك الجدران التي احلولكت بالسواد، وانبعثت من ثناياها رائحة الموت فمهما اصفر لونك وعلى أنينك وإلى أي حد مزقك المرض فلن تجد لأنينك شفيعا ولا لعللك طبيبا ولا لجروحك بلسما ولأنك بين يدي سجان لم يقرأ يوما عن حق السجين فليس لك إلا الصمت وأن تحبس ألمك كما حُبس جسدك.

فالعديد من السجناء أصيبوا بأمراض خطيرة نتيجة التعذيب الجسدي والنفسي وما يمارس بحقهم من إرهاب دون جرم يذكر، ولم يشفع لهم مرضهم بالحصول على الدواء أو العرض على الأطباء، وقد تفاقمت أمراض العديد منهم وتضاعفت ومنهم من أصيبوا بجلطات بل وتوفي منهم تحت التعذيب أو المرض العشرات، وهناك حالات نادرة تم الإفراج عنها إلا أنها توفت بعد بضعة أيام أو عدة أسابيع في أحسن الأحوال، وقد توفي جراء التعذيب والإهمال الطبي خمسة مختطفين في سجون الميليشيات الحوثية في محافظة إب خلال الشهر المنصرم فقط آخرهم السجين "عمار نبيل العلوي" وقبله السجين "موسى صالح الجبري".

تعذيب جسدي ونفسي:

يحرم السجناء من حقوقهم، فلا حقوق للمواطن في خارج السجن فكيف بالسجين الذي تعتبره عدوا لها إذ تمارس بحقهم أبشع وأشنع التعذيب الجسدي والنفسي فيظل بعضهم أشهرا في الانفرادي ويكبل بالقيود ويربط ويعلق ويحقق معه بأفظع الأساليب ويضرب ويصعق بالكهرباء ويتعرض لألفاظ نابية وكلمات جارحة  ويطلب منه الإقرار بتهم هو بريء منها ويحاكم ويوضع على مشانق الإعدام الصورية مرات عديدة.

جوع واعتقال:

لم تكتف الميليشيات الحوثية باعتقال الأبرياء بل جمعت لهم بين الجوع والاعتقال، فوجبة الإفطار والعشاء قليل من الفول أو الفاصوليا ووجبة الغداء رز فقط أو رز مع البطاط في بعض الأحيان ونادرا ما يصحب ذلك بقطعة دجاج لم يكتمل نضجها، وإزاء هذه الحالة الإنسانية المؤلمة فإن أسر بعض المختطفين الذين يعلمون بأماكن احتجاز أبناءهم ويسمح لهم بتزويدهم ببعض الطعام والشراب، يتكلفون عناء تجهيزه وكلفة نقله ومشقة وصوله إلى أيدي أبناءهم المختطفين إلا أنه رغم ذلك كله لا يصل كاملا فالسجانون يقاسمون السجين طعامه الذي يأتيه من خارج السجن.

آثار مروعة لأسر السجناء

لا يشعر بحجم ألمهم وفداحة مصابهم إلا من ناله ما نالهم، ويمكننا أن نقول بملء الفم أن أسر المختطفين تعيش في جحيم أنكى من جحيم المختطف، فأهالي بعض المختطفين محرومون حتى من مهاتفته أو زيارته أو جلب الدواء له أو معرفة مكانه وتهمته أو توكيل محام للدفاع عنه.

ثمة أسئلة لا تنفك عن خواطر آباء المختطفين وأقاربهم أحي هو أم ميت؟!،  أصحيح أم عليل؟!، أجوعان أم شبعان؟!، أدفئان أم بردان؟!، أيعامل بالإحسان والترغيب أم يتعرض للترهيب والتعذيب؟! متى سيفرج عنه؟ هل سنلتقي به مرة أخرى، أم سيكون مصيره مصير من ماتوا في السجن؟ أم سيأتينا الموت قبل خروجه؟.

هذه التساؤلات وغيرها تؤرق أهالي المختطفين وتنكي جراحاتهم ومن يرد معرفة مدى معاناة أسر المختطفين والأسرى فليتتبع أحوالهم وليسأل عن مصابهم وليقترب منهم ليعرف حجم الفاجعة والألم الفضيع الذي لا يقتصر على التوجع والبكاء والإغماء والإعياء بل إلى الإصابة بأمراض وجلطات وأزمات قلبية ونفسية آلامهم وقد توفي عدد من الآباء والأمهات كمدا على أبناءهم ورغم ذلك لم يسمح لهم بنظرة الوداع وحضور مراسيم دفنهم.

سطو باسم الله وفي سبيله

لم يرو غليل ميليشيات الاختطاف ما ابتلعته وما تبتلعه منذ انقلابها من الأموال العامة والخاصة ومرتبات موظفي الدولة، وما صادرته من عتاد المؤسسات المدنية والعسكرية وما استولت عليه من وثائق وملفات...الخ بل وصل الحد بها حتى إلى نهب مقتنيات بعض المختطفين وأملاكهم الخاصة وخصوصاً الصحفيين منهم والذين تعرض جل من اختطف منهم إلى نهب تلفوناته والذواكر وآلة التصوير ..الخ.

كما نهبت منازل وسيارات العديد من المعتقلين وأموالهم وأسلحتهم الشخصية ووثائقهم وشهاداتهم ومؤهلاتهم العلمية، إذ أن عملية الاختطاف تتم في كثير من الأحيان بعد الهجوم على منزل المختطف بمليشيات خاصة رجالا ونساء يقومون بترويع المختطف وترويع أطفاله وأهله ونهب ما يحلو لهم من أملاكهم.

ولا أفدح ولا أبشع من النهب إلا أن يكون باسم الله الذي جعل البعض من جلالته غطاء لجرائمه ونزواته، ومن المضحك المبكي أن هؤلاء النهابة يرددون أنهم يستخدمون هذه المنهوبات في سبيل الله. 

ورقة ضغط لابتزاز الشرعية:

تتخذ الميليشيات من قضية إنسانية كقضية المختطفين وسيلة للابتزاز السياسي وورقة ضغط في أي مفاوضات، كما تخطف المدنيين الأبرياء لتساوم مقابلهم بإخراج أسراها العسكريين الذي تم أسرهم في الجبهات المسلحة.

إفراج عن القتلة والمجرمين:

أخرجت الميليشيات الكثير من القتلى والمجرمين وأصحاب السوابق الذين وافقوا على الالتحاق بصفوفها لتزج بأحرار الشعب من الطلاب والمدرسين والأطباء وأصحاب الشهادات العليا والمثقفين والصحفيين في غياهب معتقلاتها وسجونها السرية.

وما دام هناك سجون واختطافات فلن ينتهي مسلسل المعاناة والانتهاكات، وستظل السجون إحدى الوجوه القبيحة الشاهدة على فداحة الإرهاب العنصري البغيض لجماعة الحوثي الكهنوتية التي مارست وما تزال تمارس بحق الشعب اليمني أفظع الجرائم الإنسانية.