وأسدل الستار

د. علي عبدالكريم

بعد حياة حافلة بالإبداع والحضور المتميز في قلب المدينة والوطن، ظل المغفور له المسرحي والكاتب الكبير سعيد علي عولقي حالةً من التألق الدائم، ووهجًا لا يخبو، وحضورًا وإبداعًا متجددين.

كان فضاءً محلّقًا خارج المألوف، واستثناءً يستنشق عبق الإبداع. بساطةٌ تتجلى صورًا، ولقطاتٍ، وإشاراتٍ، ثم تعليقاتٍ بعيدة العمق والمعنى والبعد. كان الاستثناء هو القاعدة، وكان الهمس في اللحظة الضاحكة، وتكشيرة الآخر الباحث عن جنة قديس يصلي من خلال الكلمة والموقف، احتجاجًا على نشاز يضرب واقع حياة الناس.

دخل بيوت الناس من خلال «التركة»، ضاحكًا وناقدًا، يبحر في أعماق مجتمعٍ تناقضاته سيوف حادة تفتقد الصدق، وتتلوّن وفق أجواء المصالح. كانت «التركة» نقدًا لإرثٍ تتشعب معالمه بحثًا عن أفق لم تتضح ملامحه بعد.

كان المسرح عالمه، وكانت دنيا المسرح دنيا سعيد عولقي. تزامل معه أيام الزمن الجميل المسرحي الراحل العزيز فيصل عبدالله سعيد. وكان راحلنا العزيز، كعمر الجاوي، ناقدًا يلسع بسوط الكلمات الحادة الناعمة. ومثله كان يبحث عن مدينة أفلاطون الفاضلة.

كان كشارلي شابلن؛ يضحك وينتقد باسمًا، راميًا الكون خلف ظهره. وكان كالحلاج يبحث عن عدلٍ غاب، وكان كدريد لحام يبحث عن «كأسك يا وطن». ومثل ألفريد فرج ولقمان الحكيم، حيّرته تناقضات واقع يمارس على الأرض خلاف ما يقول ويكتب.

تمامًا كما هي لحظتنا الراهنة القاتلة، تمضي بصمت لتموت معها الكلمات والمعاني، ويبقى على الأرض الجفاء والشقاء والقيظ القاتل، وتناقضات ما أنزلت لها آيات تفسرها. كتلة أحزان تغطي سماء مدينة ووطن عشقهما راحلنا سعيد عولقي حتى الثمالة.

كتاب المسرح استثناء، والمبدعون لا يتكررون، خاصة حين يحل بالكون واقع مصاب بالقحط وجفاف الإبداع. فحدّث يا أيها المزمل عن أي شيء إلا عن الإبداع في واقع وفترة مصابين بالعقم والجراحات التي غرستها غوائل الدهر في مكامن ما تبقى من جسد عليل، نطاسيّه هم الداء وليسوا الدواء.

لذا رحلت عنا يا سعيد.

العزاء لك يوم ولدت، ويوم رحلت حيًا، فأنت ما تزال حيًا في قلب المدينة والأهل والناس والوطن، وفي قلب كل من يعشق كلمة صدق تقال. وقد كنت من فرسان الكلمة الصادقة والحق، ولست من فرسان مالطا ممن لوثوا بحر الثقافة بالدماء. وداعًا... وداعًا.