بين الوصاية والعملاء... يدفع اليمنيون الثمن؟
لم يكن المجلس الانتقالي سوى أداة سياسية وعسكرية صُنعت في ظل مشروع إقليمي تقوده السعودية والإمارات، ونُفِّذت عبره أجندات ومخططات متعددة مقابل دعم سياسي وعسكري ومالي غير محدود.
فمن الاغتيالات والسجون السرية إلى الشعارات التي أعلنت بوضوح الارتهان للخارج، لم يكن القرار وطنياً مستقلاً بقدر ما كان انعكاساً لإرادة القوى الراعية له.
فالانتقالي، منذ نشأته، لم يمتلك مقومات مشروع وطني مستقل يوصله إلى السلطة أو يمكنه من استعادة دولة الجنوب كما يزعم. لقد كان بحاجة دائمة إلى الحاضنة الخارجية التي صنعته ومولته ووفرت له أدوات النفوذ والقوة.
والحقيقة التي تؤكدها تجارب التاريخ أن أي قوة خارجية لا تستطيع فرض نفوذها على بلد ما لم تجد في الداخل من يقبل القيام بدور الوكيل أو الأداة. وفي الحالة اليمنية، وجد التحالف في الانتقالي الوسيلة الأنسب لإدارة مصالحه بعد أن فقد حليفه التقليدي ممثلاً بالرئيس السابق علي عبدالله صالح.
لكن العملاء يدفعون ثمن خلافات الرعاة. فعندما بدأت التباينات بين السعودية والإمارات بالظهور، وبرزت مخاوف سعودية من مشاريع قد تمس أمنها وحدودها الشرقية تحت عناوين سياسية مختلفة، تحركت الرياض لإعادة ترتيب المشهد بما يحفظ مصالحها ويمنع أي واقع جديد لا يخدم استراتيجيتها.
ومنذ ذلك الحين أصبح الانتقالي والشرعية معاً ضحايا لصراع الإرادات بين القوى الراعية لهما. فكلما اختلفت الوصاية تضررت الأدوات، وكلما تصارعت المصالح الإقليمية انعكس ذلك على حياة المواطنين ومعيشتهم وأمنهم واستقرارهم.
أما الخاسر الأكبر فكان الوطن والمواطن. فعدن اليوم، وغيرها من المدن اليمنية، تقدم نموذجاً واضحاً لنتائج الصراعات بالوكالة؛ انهيار للخدمات، وتدهور اقتصادي، وأزمات معيشية متفاقمة، بينما تستمر القوى السياسية في تبادل الاتهامات وتبرير فشلها.
والمؤسف أن استمرار الانقسام الشعبي والعاطفة السياسية الجامحة ما زال يمنح القوى الخارجية القدرة على التأثير والحشد والتوجيه. فالبعض يلاحق الوعود والأوهام، والبعض الآخر يتمسك بشعارات لم تحقق له سوى المزيد من المعاناة، فيما تستمر ثروات البلاد وإمكاناتها في الاستنزاف.
لقد آن الأوان لإدراك حقيقة بسيطة: لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح ما دام قراره مرهوناً بالخارج، ولا يمكن لأي شعب أن يبني دولته وهو منقسم بين ولاءات متصارعة. فالأوطان لا تبنى بالوكالة، ولا تستعاد بالارتهان، ولا يحميها سوى مشروع وطني مستقل يضع مصلحة الشعب فوق مصالح الرعاة والعملاء على حد سواء. ولله في خلقه شؤون