القعقاع اليمني: حين يسقط الشغف في فراغ الدولة؟

توفيق الحميدي

خلّفت وفاة القعقاع اليمني المتسلق الشهير في حبل حرضة دمت ، موجة واسعة من الحزن والتعازي، لكنها لم تلبث أن تحولت إلى انقسام حاد في الرأي العام، بين من رآه شاباً شجاعاً دفعه الشغف إلى أقصى حدود المغامرة، ومن اعتبره متهوراً قاد نفسه إلى الموت، وآخر يرى أن ظروف الحرب أجبرته كما أجبرت المئات المغامرة في جبهات أوكرانيا، أو الموت في بحار الهجرة إلى أوربا، ومن اكتفى بردّ الحادثة إلى القضاء والقدر، غير أن هذا الانقسام، في عمقه، لا يقول شيئاً عن القعقاع وحده، بل يكشف ارتباكاً يمنياً أوسع في فهم الحياة والموت، والشغف والخطر، والمسؤولية الفردية وغياب المؤسسة.

فالقعقاع لم يسقط من جبل فقط، بل سقط في فراغ أكبر من الجبل، فراغ غياب الدولة المهاجرة، التي لا يخطر بالها  احتضان طاقات شبابها، وفراغ المجتمع المنهك والمنقسم بقضايا الحرب ولقمة العيش، ولم يعد لهم مجال لتفكير كيف يحول المغامرة إلى مسار منظم، وفراغ المؤسسات المتخمة بالفساد، والتيه والتي كان يفترض أن تمنح الشغف تدريباً وأماناً ومعنى.

ولهذا فإن السؤال الذي أثارته الحادثة لا يتعلق بشخص البطل القعقاع بقدر ما يتعلق بالبيئة التي أنتجت قصته، وقصة الكثير من الشباب الذي لم تكتب قصصهم، فحين يموت شاب أثناء مغامرة في دولة مستقرة، ينصرف النقاش عادة إلى معايير السلامة، ومستوى التدريب، وإجراءات الإنقاذ، والدروس المستفادة من الحادثة، أما في اليمن، فإن النقاش سرعان ما يتحول إلى سجال أخلاقي حول الضحية نفسها، هل كان بطلا أم متهورا؟ هل يستحق الإعجاب أم اللوم؟ وكأن المشكلة تكمن في الفرد لا في السياق الذي يتحرك داخله.

لقد رأينا في أنحاء العالم مغامرات أشد خطورة ورهبة، متسلقون يواجهون قمم الهيمالايا، ورياضيون يعبرون الصحارى والجروف السحيقة، وأشخاص يقفون على حواف أبراج شاهقة أو يشاركون في سباقات تنتهي أحيانا بالموت، ومع ذلك لا تتحول تلك الحوادث عادة إلى محاكمات اجتماعية للمغامرين؛ لأن المجتمع يدرك أن المغامرة جزء من النشاط الإنساني، وأن مسؤولية إدارتها لا تقع على الفرد وحده، بل على منظومة كاملة من المؤسسات والتدريب والقوانين والرقابة والإنقاذ.

أما في اليمن، فإن الشاب الشغوف غالباً ما يجد نفسه وحيداً، لا أندية متخصصة، ولا برامج تدريب احترافية، ولا اتحادات فاعلة، ولا ثقافة مؤسسية تستوعب هذا النوع من الاهتمامات، ولذلك يتحول كثير من الشغف الفردي إلى اجتهادات شخصية، ويصبح النجاح إنجازاً فردياً خالصاً، وحين ينجح شخص نلتفت اليه نكتب ونطيل، ونقول اليمن أرض المبدعين، كما يصبح الفشل أو الموت مسؤولية فردية كاملة.

والحقيقة أن هذه المشكلة ليست وليدة الحرب وحدها، رغم أن الحرب والانقسام فاقماها بصورة كبيرة، فهي تعكس أزمة أقدم في علاقة الدولة بالمجتمع، فالدولة اليمنية، حتى قبل الانهيار الكبير، لم تنجح في بناء منظومة قادرة على اكتشاف طاقات الشباب وتوجيهها واستثمارها، كما أن المجتمع ظل ينظر إلى كثير من الأنشطة الجديدة باعتبارها هامشا ترفيهيا لا مجالا يمكن أن ينتج معرفة أو اقتصاداً أو حضوراً وطنياً.

لهذا تبدو قصة القعقاع أبعد من مجرد حادثة فردية، إنها تذكير مؤلم بأن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن الشغف وحده لا يحمي صاحبه، فبين الإنسان وحلمه يجب أن توجد مؤسسة، وبين المغامر والخطر يجب أن توجد منظومة حماية، وبين الرغبة في الإنجاز وإمكان تحقيقه يجب أن توجد دولة تدرك أن وظيفتها لا تقتصر على إدارة الأزمات، بل تشمل أيضا رعاية الطاقات الإنسانية وتوسيع آفاقها.

ربما اختلف الناس حول القعقاع، وربما سيستمر الجدل طويلا حول ما إذا كانت مغامرته تستحق المخاطرة أم لا. لكن ما ينبغي ألا نختلف عليه هو أن المجتمعات السليمة لا تترك أصحاب الشغف يواجهون مصائرهم وحدهم. فالمشكلة ليست في وجود المغامرة، بل في غياب البيئة التي تجعلها أكثر أمنا وفائدة ومعنى. ومن هذه الزاوية، فإن قصة القعقاع ليست فقط قصة شاب فقد حياته، بل قصة دولة ومجتمع ما زالا يبحثان عن الطريقة التي يمكن بها احتضان أحلام أبنائهما قبل أن تتحول إلى مآسٍ تُروى بعد فوات الأوان.