مذكرات الفسيل (5): ثلاثية الحكم الإمامي.. الرهائن والمُخمِّن والخطّاط

خلدون عبدالإله

يقول المناضل محمد عبدالله الفسيل إن الإمام يحيى، حتى وهو في صراع مع الأتراك وقبل أن يستلم منهم السلطة، كان قد تبنّى سياسة حكمٍ إمامي تقوم على تطبيق نظام الرهائن البشع. ويُعد هذا النظام من أبشع الجرائم الإنسانية التي ارتُكبت في عهود الأئمة.

 ومعنى الرهينة والرهائن هو أخذ أطفال من أبناء المشائخ وأبناء الأسر الكبيرة كرهائن طاعة لدى الإمام، ووضعهم في سجون تضم القتلة والمجرمين واللصوص. وقد يُؤخذ الرهينة وعمره عشر سنوات أو اثنتا عشرة سنة، ويبقى ست أو سبع أو ثماني سنوات في السجن، ولا يخرج منه إلا شابًا. وإذا خرج، فعلى أسرته إرسال رهينة أخرى بدلاً منه. وكان هذا النظام ظالمًا وبشعًا، يفتقد لكل المعاني الإنسانية.

ومن مظاهر نظام الإمام يحيى المتخلّف أيضًا تطبيق نظام تخمين الزكاة، الذي يعني إرسال أحد السادة أو الفقهاء ومعه خمسة إلى عشرة من الجنود إلى منطقة زراعية معينة لتخمين زكاتها. ويقوم المُخمِّن بتقدير الزكاة وفق ما يُقرره الإمام أو ولاته، فيجعلها أضعافًا مضاعفة. وينزل هو وجنوده في بيوت المزارعين، يأكلون ويشربون ويخزّنون القات على حسابهم، ثم يحصلون أجورهم من هؤلاء المزارعين المساكين. وهذا يفرض عليهم تكاليف باهظة، لا يستطيعون تحملها إلا إذا كان لهم أقارب في المهاجر اليمنية، فيرسلون إليهم طلبًا للمصاريف.

واستَنَّ الإمام يحيى نظامًا آخر لا يقل بشاعة عن نظام المُخمّنين، عُرف بنظام التفتيش على المُخمِّن، ويتمثل في إرسال فقهاء أو سادة مع عدد من الجنود إلى المناطق الزراعية للكشف عن صحة ما خمّنه المُخمِّنون. وهذا يعني أن الكشّافين يضيفون على التقديرات السابقة ما يُرضي ولاة الإمام، وإلا فلن يُعاد إرسالهم مرة أخرى. وكما هو الحال مع “المُخامنة”، ينزل الكشّافون وجنودهم في بيوت المزارعين، يأكلون ويشربون ويخزّنون على حسابهم، ثم يأخذون منهم أجور الكشف.

ومن الأنظمة الأخرى التي طُبّقت في عهد الإمام نظام تحصيل الزكاة؛ فعندما يحصد المزارعون محاصيلهم، يأتي فقهاء أو سادة أو مشايخ مع الجنود إلى المناطق الزراعية، وينزلون في بيوت المزارعين، يأكلون ويشربون ويخزّنون القات، ويأخذون أجورهم، ثم يحصلون من المزارعين ما فُرض عليهم من قبل المُخمّنين والكشّافين. وكل ذلك لا يُبقي للرعية إلا القليل، وقد يُؤخذ منهم كل ما زرعوه، إضافة إلى ما يصلهم من أبنائهم المهاجرين.

إضافة إلى ذلك، أسّس سيف الإسلام الحسن بن الإمام يحيى، الذي كان واليًا على لواء إب، نظامًا غريبًا عُرف بنظام “الصُّبرة”، ويعني احتساب ما دفعه المزارعون من زكاة خلال ثلاث سنوات، وإلزامهم بدفع الزكاة وفق أعلى نسبة من تلك السنوات. ومن الملاحظ أن زكاة السنوات الثلاث كانت مضاعفة أصلًا بسبب تقديرات المُخمّنين والكشّافين.

ومن مظاهر التخلف في نظام الإمام يحيى كذلك تكوين جيش نظامي وآخر “برّاني”، وتطبيق نظام “الخطّاط”. ولا يُعرف على وجه الدقة متى تم سنّ هذا النظام، هل في عهود إمامية سابقة أم أنه من ابتكار الإمام يحيى وولاته؟ ويعني “الخطّاط” إرسال قوة من العسكر ومن القبائل الزيدية إلى مناطق أخرى في اليمن، خاصة المناطق الزراعية، دون توفير إدارة تموينية تلبي احتياجاتهم من الطعام والشراب. ولذلك لا يجد قائد الجيش ما يطعم به جنوده إلا بتحميلهم على الأهالي، أي توزيعهم في بيوت القرى والمدن، وعلى السكان تلبية طلبات الجنود من الطعام وذبح الكباش، أو على الأقل الدجاج، وتقوم النساء بإعداد الطعام، بينما يذهب الرجال إلى الأسواق ومزارع القات لشراء ما يحتاجه الجنود والمأمورون.

وعندما وصل الأمير علي عبد الله الوزير ودخل مدينة تعز، بعد أن كان قد احتل قبل ذلك مدينة إب وفرض فيها نظام الخطّاط عام 1919، واجه مقاومة غير متكافئة من الأهالي في تعز وجبل صبر والنواحي الأخرى. وقد سقط في تلك المقاومة مئات، وربما آلاف، من الضحايا، واضطر الأهالي للخضوع لنظام الخطّاط. وهكذا أصبح الجنود يسكنون مع الأهالي في بيوتهم، ويعيشون على حسابهم دون رحمة أو إنسانية، حتى في البيوت التي لا تضم سوى النساء والأطفال، بعد أن هاجر الرجال إلى المهاجر اليمنية بحثًا عن لقمة العيش، وإرسال ما يكسبونه لإعالة أسرهم، بل وإعالة جنود الإمام أيضًا.

وقد استمر نظام الخطّاط منذ بداية عهد الإمام يحيى حتى قيام ثورة 26 سبتمبر 1962. ويؤكد ذلك أن الزعيمين الزبيري والنعمان أرسلا من عدن برقية إلى الإمام يحيى باسم الجمعية اليمنية الكبرى عام 1946، يناشدانه فيها رفع الخطّاط عن بيوت الأهالي، التي لا يسكنها في الغالب سوى النساء والأطفال، وذلك بمناسبة العيد. إلا أن الإمام أجاب بأن هذا الأمر يحتاج إلى بحث ونقاش، في إشارة إلى تمسكه به. وهذا يدل على أن نظام الخطّاط استمر تطبيقه منذ عام 1919 حتى مقتل الإمام يحيى، ثم واصل ابنه أحمد العمل به حتى وفاته، أي لمدة قاربت 43 عامًا.

هذه السلسلة الخاصة التي تنفرد بها "منصة الهدهد" من مذكرات المناضل محمد الفسيل، سبق نشر الأجزاء السابقة:

مذكرات الفُسيل (1): السقيفة.. أعظم حدث في التاريخ الإسلامي

مذكرات الفسيل (2): الحورش.. صانع ثقافة الأحرار والثوار

مذكرات الفسيل (3): الإمام يحي.. وبداية عهده مع “المُدَفَّعين”.

مذكرات الفسيل (4): حاكم القطران وشيخ المجاذيب