التحالف الوطني الجنوبي ومشروع الدولة العادلة

أحمد ناصر حميدان

منذ اللحظة الأولى للإعلان عن التحالف الوطني الجنوبي، بدأت تتدفق علينا رسائل الاتهام والتخوين، وكأن مجرد الاختلاف في الرأي أصبح جريمة سياسية. والسؤال الذي يطرح نفسه: من يملك حق تحديد الإرادة الجنوبية؟ ومن منح أي طرف حق احتكار تمثيل الجنوب أو التحدث باسم جميع أبنائه؟

الإرادة الجنوبية ليست ملكًا لأحد، بل هي إرادة شعب متعدد الآراء والتوجهات. أما الواقع الذي نعيشه اليوم، فهو واقع لا يسر أحدًا؛ فالمواطن الجنوبي يعاني من تدهور الخدمات، وانهيار الاقتصاد، وتراجع مستوى المعيشة، بينما تحولت قضية كانت تُقدَّم باعتبارها قضية عادلة وأخلاقية إلى ساحة مليئة بالانتهاكات والاغتيالات والاختطافات والسجون السرية وصراعات النفوذ العسكري والقبلي.

والمؤسف أن كثيرًا من الممارسات التي عانى منها الناس في مراحل سابقة أصبحت تتكرر اليوم بأشكال مختلفة، وكأننا ندور في الحلقة ذاتها التي سعينا يومًا إلى الخروج منها.

لقد تغير الجنوب، وتغيرت معه الظروف والمعطيات. ولم يعد من الحكمة الدفع بالناس نحو مواجهات عبثية لا تملك مقومات النجاح. فالسياسة ليست شعارات، وإنما قراءة واقعية لموازين القوى وإدارة رشيدة للممكن.

إن ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الصراعات، بل مشروعًا سياسيًا يضع كرامة الإنسان الجنوبي في المقدمة. فالإنسان هو أساس أي قضية عادلة، وحين تُصان كرامته وتُحفظ حقوقه يصبح تحقيق بقية الأهداف أكثر واقعية وإمكانًا.

ومن هنا فإننا نرى أن المدخل الحقيقي للحل يكمن في بناء دولة عادلة تقوم على الحكم الرشيد وسيادة القانون، دولة تكفل الحقوق والحريات، وتمنح الأقاليم والمحافظات صلاحيات واسعة لإدارة شؤونها بعيدًا عن الهيمنة والاستبداد والاحتكار.

إن مشروع الدولة الاتحادية ليس مجرد صيغة إدارية، بل رؤية سياسية تهدف إلى كسر المركزية المفرطة، وإنهاء مظاهر التسلط بين المناطق والطوائف والقبائل والأحزاب، وإقامة شراكة وطنية حقيقية تضمن لكل منطقة حقها ولكل مواطن مكانته وكرامته.

وفي المناطق المحررة على وجه الخصوص، يمكن لهذا النموذج أن يقدم مثالًا عمليًا للدولة التي ينشدها الناس؛ دولة المؤسسات والقانون، لا دولة النفوذ والقوة والسلاح.

كما أن العقل والمنطق يفرضان علينا البحث عن مشروع يوقف الحرب وينهي معاناة الناس. فالحروب لا تنتهي بالشعارات، وإنما بالتسويات العادلة التي تراعي مصالح الجميع وتؤسس لاستقرار دائم. والدولة الاتحادية تمثل أحد أكثر المشاريع قدرة على تحقيق هذا التوازن لأنها تضمن الشراكة وتحد من الاستبداد وتفتح المجال أمام التنمية والاستقرار.

هذا هو مشروعنا الذي ندافع عنه ونؤمن به. أما الرهان على العنف وحده فقد جُرِّب مرارًا، ولم ينتج إلا مزيدًا من الانقسام والمعاناة. والتاريخ يعلمنا أن ما يفشل اليوم لن ينجح غدًا بالوسائل نفسها، وأن استمرار السير في الطريق ذاته قد يقود إلى نتائج أشد خطورة وأبعد أثرًا مما شهدناه حتى الآن.

إن مستقبل الجنوب واليمن عمومًا لن يُبنى بالإقصاء والتخوين، وإنما بالحوار والعقل والشراكة والاحتكام إلى إرادة الناس الحرة، في ظل دولة عادلة تحفظ الحقوق وتصون الكرامة للجميع.