حين يفهم الإنسان مشكلته... يسقط الابتزاز
إذا فهم الإنسان العاقل مشكلته الحقيقية، فلن يستطيع أحد أن يبتزه بها أو يستثمر آلامه لتوجيهه ضد نفسه وقيمه ومصالحه.
هذه الحقيقة تنطبق على جزء مهم من الحالة الجنوبية اليوم. فشعب الجنوب لم يكن يوماً هامشياً في التاريخ الوطني، بل كان أحد أهم أعمدة ثورتي سبتمبر وأكتوبر، وعلى أرضه نشأت نواة الحركة الوطنية اليمنية الحديثة، ومنها انطلقت الأفكار التحررية والتنويرية التي دعمت حركات التحرر في اليمن والمنطقة.
كما عاش الجنوب تجربة الدولة المدنية والثورة الاجتماعية والتحديث، واكتسب إرثاً سياسياً وثقافياً يصعب اقتلاعه مهما كانت الظروف.
لكن ما حدث لاحقاً أن القوى التقليدية المتخلفة، ومعها نظام الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، المرتبط بمنظومة المصالح والولاءات الرجعية، عملت على إعاقة المشروع الوطني الكبير. فتم إفراغ الوحدة من مضمونها العادل، وتعطيل الديمقراطية، وزرع الفتن والانقسامات، حتى انتهى الأمر بثورة شعبية ضد ذلك النظام نفسه. وهذا يعني أن الأزمة لم تكن في قيم الوحدة أو الديمقراطية أو الدولة الوطنية، بل في المنظومة التي فشلت في إدارتها وأفسدتها.
لقد تضرر الجنوب فعلاً، وتعرض أبناؤه للظلم والإقصاء، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. لكن المؤسف أن الضرر لم يتوقف عند السياسة والاقتصاد، بل امتد إلى النفوس والعقول.
ونجح النظام الذي تسبب بالمأساة في إقناع بعض ضحاياه بأن عدوهم هو الفكرة نفسها لا من أساء تطبيقها، وأن المشكلة في الوحدة لا في من دمرها، وفي الديمقراطية لا في من صادرها، وفي الدولة الوطنية لا في من حولها إلى مزرعة خاصة.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ فبعض المتضررين تحولوا إلى خصوم لقيمهم التاريخية ومشاريعهم الوطنية وأخلاقياتهم السياسية. وأصبحوا يلعنون الوحدة والديمقراطية والثورة والدولة الوطنية، بينما كان الأولى بهم أن يلعنوا الاستبداد والفساد والنهب الذي شوّه تلك المبادئ وأفرغها من محتواها.
إن من يختزل قضيته الكبرى في رد فعل غاضب، أو يتمترس داخل حدود القرية أو الجهة أو العصبية الضيقة، إنما يحكم على نفسه بالخروج من التاريخ. فالأمم لا تبنى بالأحقاد، ولا تستعيد حقوقها بالتخلي عن قيمها الكبرى، بل بالنضال من أجل تصحيح المسار واستعادة المشروع الوطني على أسس عادلة.
أما الذين نجحوا في تحويل ضحايا الاستبداد إلى أعداء لأحلامهم وتطلعاتهم وقيمهم العليا، فقد حققوا انتصاراً مؤقتاً على الوعي. لكن التاريخ يعلمنا أن الوعي حين يستيقظ يدرك أن المشكلة لم تكن في المبادئ، بل في الذين خانوا تلك المبادئ.
وهنيئاً لمن ظن أن سقوط القيم انتصار، فليس كل صعود تقدماً، وليس كل ضجيج مشروعاً، وليس كل هدم طريقاً إلى المستقبل. بل إن أخطر أشكال السقوط أن يتحول الإنسان إلى خصم لما كان بالأمس يؤمن به ويدافع عنه.