ماذا استلم هادي من الجمهورية؟ (1ـ 3)
مؤخراً، ومع وفاة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي، عاد إلى الواجهة الجدل القديم المتجدد حول الكيفية التي حكم بها الرجل الجمهورية بعد علي عبدالله صالح، الذي أمضى ثلاثة وثلاثين عاماً في السلطة، واستهوته لعبة "الحجر والبيضة"، أو كما وصفها هو نفسه: "الرقص على رؤوس الثعابين".
يهاجم أنصار صالح ودوائره التي ما تزال تعمل لحسابه حتى اليوم هادي، ويؤكدون أنه تسلم جمهورية كاملة ودولة متماسكة الأركان، قادرة على مواجهة التحديات والأخطار التي أحاطت بها من كل جانب فور خروج صالح من السلطة.
في المقابل، يدافع أنصار هادي عن الرجل بالقول إنه لم يتسلم من سلفه سوى خرقة مطبوع عليها العلم الجمهوري، أما أركان الدولة العميقة وتحالفاتها فقد بقيت تعمل لحساب صالح حتى بعد مغادرته السلطة.
وقبل مناقشة هذا الجدل ومحاولة تفنيد أطروحاته المختلفة، يجدر بنا أن نسلط الضوء على الارتكازات التي قامت عليها الدولة اليمنية وأركانها خلال الفترة التي أعقبت ثورة سبتمبر، والتي أسهمت في تثبيتها، على الأقل خلال العقود الثلاثة الأخيرة السابقة للكارثة الكبرى المتمثلة في اجتياح الحوثيين للعاصمة وإسقاط مؤسسات الدولة.
لم تكن أركان الدولة في اليمن متطابقة بصورة كاملة مع نظيراتها في المنطقة العربية؛ فهناك مؤسسات لم يسجل لها دور مؤثر في تثبيت الدولة، مثل القضاء والبيوت التجارية والأجهزة الاستخباراتية، كما هو الحال في مصر على سبيل المثال.
وفي المقابل، برزت أركان أخرى أثبتت حضورها كلاعب مهم ومؤثر في تقوية الدولة، وفي مقدمتها القبيلة، رغم أن وجودها بذلك التأثير لم يسجل في أي دول عربية أخرى.
والأكثر غرابة أن الجهازين الأمني والاستخباراتي في اليمن، رغم ما امتلكاه من قوة، ظلا يؤديان دوراً وظيفياً في المقام الأول، ولم يتحولا يوماً إلى عمود فقري تقوم عليه الدولة، وهذا لا يعني عدم وجود تأثير لهذين القطاعين داخل بنيتها العامة.
ويعود السبب في تشكل تلك النسخة من مقومات الدولة إلى ذلك التحالف الثلاثي الذي نشأ بين رئيس السلطة التنفيذية علي عبدالله صالح، والقائد الفعلي للمؤسسة العسكرية الجنرال علي محسن الأحمر، والزعيم القبلي الأكثر نفوذاً الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر.
وبموجب هذا التحالف، انحصرت مقومات الدولة اليمنية بصورة مركزة في ثلاثة أعمدة رئيسية: السلطة التنفيذية ممثلة بالرئاسة، والمؤسسة العسكرية، والقبيلة اليمنية.
وعلى الرغم من غرابة هذا الثلاثي، فقد شكل نقطة التقاء فريدة من نوعها، وربما تجربة استثنائية على مستوى المنطقة، لم يسبق لها مثيل ولم تتكرر حتى اليوم.
ورغم الانتقادات الحادة التي وجهت للذلك التحالف، إلا أنه وفر قدراً من الاستقرار السياسي والأمني للدولة، ومكنها من المضي قدماً أكثر مما تحقق في أي مرحلة سابقة.
غير أن الأمور لم تستمر على هذا النحو حتى النهاية؛ فمنذ منتصف عهده تقريباً، اتجه صالح إلى التخلص من شركائه في الحكم، والعمل على تضييق دائرة السلطة والامتيازات وحصرها في نطاقه الأسري، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تصدع التحالف القائم، ثم خروج جميع أطرافه من السلطة.
وانطلاقاً من هذا التوجه، شرع صالح في اتخاذ خطوات عملية يرى كثيرون أنها كانت السبب الرئيس في الازمة التي حدثت نهاية حكمة، ثم الانهيار الكبير الذي وقع بعد خروجه من الحكم، نتيجة استهدافه لأركان الدولة، وهو يعتقد أنه يستهدف شركاءه/ منافسيه/ وخصومه السياسيين.
وعلى خلاف الأحمرين، الجنرال والشيخ، ظل صالح يحتفظ بأدوات القوة والتأثير حتى بعد مغادرته السلطة، مستخدماً إياها في عرقلة مسار الانتقال السياسي في البلاد، بحسب التأكيدات الدولية وقتها، وقرارات مجلس الأمن.
ويستند أصحاب هذا الطرح إلى شواهد عديدة يرون فيها تأكيداً على أن القوة الحقيقية للدولة بقيت في عهدة صالح، وأنه استمر في توجيهها والتحكم بها بعيداً عن إرادة الرئيس التوافقي الذي جاء بعده.
كما يؤكدون أن هادي بالكاد استطاع تمرير إرادته على المؤسسات المدنية، التي ظلت تقاوم التغيير وتتمرد على قرارات رئيس الدولة، فكيف الحال بالمؤسسات الصلبة؟!.
ويستحضر أنصار هذا الرأي سلسلة من حالات التمرد التي وقعت رفضاً لقرارات هادي في القطاعين المدني والعسكري، كما يستشهدون بقرارات كثيرة قوبلت بالرفض من القيادات التي شملها التغيير.
ومن بين تلك الوقائع، في الجانب المدني، قرار تعيين رئيس تحرير جديد لصحيفة "الثورة"، المؤسسة المدنية حيث احتاج المعين إلى وساطات سياسية وقبلية لقبول القرار، بعد استقدام مسلحين قبليين بقيادة محمد القوسي، صهر صالح، لمحاصرة الصحيفة.
ويستحضرون نموذجاً آخر اضطر فيه هادي إلى الاستعانة بوساطة أممية لتنفيذ قراره القاضي بإزاحة طارق صالح من قيادة اللواء الثالث حرس رئاسي، وهو اللواء الذي كان يفترض أن يتولى حماية الرئيس الجديد.
ومع ذلك، يبقى السؤال الذي يطرحه كثيرون حاضراً بإلحاح: كيف استهدف صالح الدولة وأركانها وهو على رأس السلطة؟ وكيف واصل العمل على تقويضها بعد خروجه منها؟
في هذه السلسلة نحاول الإجابة على هذا السؤال، وسنبدأ في الحلقة الثانية باستعراض سياسة صالح تجاه المؤسسة العسكرية، التي لم يغادر السلطة إلا وقد أصبحت شبه عاجزة عن حماية نفسها، باستثناء الحرس الجمهوري الذي تشكل كجيش جديد يدين بالولاء الكامل لصالح وأسرته.