نّكف الكرامة.. ماذا تريد القبائل وماذا يخشى الحوثيون؟

مأرب الورد

يطرح النكف القبلي الذي أعلنه الشيخ حمد بن فدغم لنصرة المرأة التي استنجدت به سؤالاً رئيسياً يشغل الرأي العام: ماذا بعد احتشاد القبائل وتوافدها إلى مطرح الكرامة في منطقة الريان بصحراء الجوف؟

الإجابة، حتى الآن، تبدو واضحة، وتتمثل في هدف واحد أُعلن منذ اليوم الأول، وهو رفع الظلم عن المرأة وتمكينها من الوصول إلى أرض قبائل دهم وحقوقها، وهو ما يضع مليشيات الحوثي أمام اختبار صعب، بعد أن عجزت عن إنهاء القضية رغم استخدامها أدوات السلطة والأجهزة الأمنية والاستخباراتية والقضائية، إلى جانب محاولات نقل القضية من إطارها القبلي إلى أبعاد سياسية وخارجية، عبر شيطنة الشيخ حمد بن فدغم وتصوير تحركاته على أنها تتجاوز حدود القضية الأصلية.

وكل من تابع المقابلات الصحفية التي أجراها الشيخ حمد، أو كلمات الترحيب التي ألقاها خلال استقباله الوفود القبلية، وكذلك تصريحات الشيخ مرضي بن حجرة شيخ قبيلة المزاريق المستضيفة للمطارح، سيدرك أن سقف المطالب ظل ثابتاً ولم يتغير، ويتمثل في إنصاف المرأة التي استغاثت بقبائلهم والتي أصبحت تنظر إليها كواحد من ربعهم، وهو ما استدعى إعلان النّكف القبلي وفقاً للأعراف القبلية التي تفرض على القبيلة نصرة المستجير بها متى توافرت شروط النّكف.

ولهذا شهدت منطقة الريان هذا الزخم القبلي الكبير، حيث توافدت وفود من مختلف قبائل اليمن استجابةً للدعوة، انطلاقاً من الهدف المعلن المتمثل في إنصاف المرأة، وليس لأي أهداف أخرى.

وانطلاقاً من هذا الهدف، تبدو كثير من التحليلات التي تحاول تأطير القضية في إطار سياسي أو عسكري انعكاساً لتطلعات مشروعة لدى كثير من اليمنيين الذين أنهكتهم الحرب، وأصبحوا يتشبثون بأي تحرك قبلي أو شعبي باعتباره فرصة لمواجهة الحوثيين. غير أن هذه الرغبات، على مشروعيتها، لا تعني أنها تعكس الهدف الحقيقي الذي اجتمعت القبائل من أجله، وهو ما يقتضي الفصل بين ما يطمح إليه البعض، وبين ما أُعلن رسمياً بوصفه الهدف المباشر للنكف القبلي، ما لم تطرأ في الأيام المقبلة تطورات تغير من طبيعة المشهد.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل سيستجيب الحوثيون للمطلب القبلي المتمثل في تمكين المرأة من الوصول إلى أرض القبائل وإنهاء القضية، أم أنهم سيواصلون التعامل معها بالأسلوب نفسه؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من قراءة موقف الحوثيين خلال الفترة الماضية؛ فمن الواضح أنهم تعاملوا مع القضية باعتبارها ملفاً أمنياً يمسّ هيبة سلطتهم، أكثر من كونها قضية ظلم تعرضت له امرأة استنجدت بالقبائل. وفي المقابل، حاولوا إظهار القضية وكأنها انتهت بعد إعلانهم نتائج ما قالوا إنها فحوصات للحمض النووي (DNA)، رغم أن هذه الرواية لم تؤدِّ إلى إنهاء الجدل ولم تُنهِ حالة الاحتشاد القبلي.

لكن هل يعني هذا أن الحوثيين لا يشعرون بالضغط؟

المعطيات على الأرض تشير إلى العكس تماماً؛ فالقضية تطورت من نزاع بين امرأة وفارس مناع، الذي استخدم نفوذه وعلاقته بقيادات في الجماعة، إلى قضية قبلية تجاوزت حدود قبائل دهم، وأصبحت قضية رأي عام تتفاعل معها قبائل من مختلف المحافظات. ولم تعد القضية اليوم مرتبطة بقطعة أرض أو نزاع شخصي، بل ارتبطت بمعاني الكرامة والعرض وواجب نصرة المظلوم في العرف القبلي.

وتكشف طريقة تعامل الحوثيين مع الملف خلال الأسابيع الماضية عن إدراكهم لحساسية القضية وما قد تتركه من تداعيات اجتماعية وأمنية، إلا أن غرور القوة والشعور بالقدرة على فرض الأمر الواقع قد يدفعهم إلى التقليل من حجم هذه التداعيات، رغم أن القضية تحوّلت بالفعل من خلاف محدود إلى قضية وطنية يتابعها اليمنيون باهتمام.

وفي هذا السياق، تبدو محاولات الحوثيين حصر النقاش في مسألة فحوصات الحمض النووي أو إثبات عدم وجود صلة نسب بالرئيس صدام حسين، بعيدة عن جوهر القضية. فالمسألة، بالنسبة للقبائل، لا تتمحور حول إثبات النسب من عدمه، وإنما حول امرأة تقول إنها تعرضت للظلم، واستنجدت بهم، فاستجابت تلك القبائل لما تفرضه عليها الأعراف القبلية من واجب النصرة والإنصاف.

ولهذا، فإن إثبات أو نفي أي تفاصيل جانبية لا يغير من حقيقة أن القضية خرجت من نطاقها الضيق، ولم تعد قابلة للاحتواء بالمعالجات الأمنية أو الإعلامية، ولا بمحاولات الوساطة التي لم تنجح حتى الآن في إنهائها، ما دام المطلب الأساسي الذي تجمعت القبائل من أجله لا يزال دون استجابة.

لكن إذا كان الحوثيون يدركون حساسية القضية، فما الذي قد يدفعهم إلى الاستجابة لمطلب القبائل؟

الإجابة ترتبط بأوراق الضغط التي تمتلكها القبائل، فالمسألة في النهاية ليست مرتبطة بالرغبات أو الأمنيات، وإنما بميزان القوة وقدرة كل طرف على التأثير في الطرف الآخر.

وفي هذا السياق، أعلن الشيخ حمد بن فدغم، ضمن خطوات التصعيد لتحقيق الهدف المعلن، منع مرور الناقلات التجارية المرتبطة بفارس مناع وقبائل سحار وخولان بن عامر عبر أراضي الجوف، وهو ما أثار انتقادات من البعض الذين اعتبروا هذه الخطوة نوعاً من قطع الطرق أو الإضرار بحركة التجارة.

غير أن أصحاب هذا الرأي يتجاهلون أن مثل هذه الوسائل كانت تاريخياً من أبرز أدوات الضغط التي استخدمتها القبائل اليمنية في مواجهة السلطة، حتى خلال عهد الرئيس صالح، عندما كانت تلجأ إلى تعطيل الطرق أو احتجاز الشاحنات أو غيرها من الوسائل القبلية للضغط من أجل انتزاع حقوقها أو إجبار الدولة على الاستجابة لمطالبها. كما أن احتجاز الأجانب كان، خلال مراحل معينة، إحدى وسائل الضغط التي استخدمتها بعض القبائل لتحقيق مطالبها.

ومن هذا المنطلق، فإن القبائل لا تمتلك الإمكانات العسكرية التي تمتلكها جماعة الحوثي، ولا تسيطر على مؤسسات الدولة أو مواردها، ولذلك فإن وسائل الضغط القبلية التقليدية تبقى، بالنسبة إليها، من الأدوات القليلة المتاحة للتأثير على الطرف الآخر.

ووفق تقديرات متداولة، قد لا تكون دقيقة بشكل كامل لكنها تعطي مؤشراً على حجم التأثير، فإن الإيرادات الضريبية اليومية التي تجنيها جماعة الحوثي من منفذ نهم المستحدث تُقدَّر بنحو 150 مليون ريال يمني. وإذا استمرت إجراءات الضغط القبلي لفترة تمتد إلى أسبوعين أو أكثر، فإن ذلك قد ينعكس على هذه الموارد المالية، ويؤثر كذلك على التجار المرتبطين بالجماعة، وهو ما قد يدفعهم بدورهم إلى ممارسة ضغوط على الحوثيين لإيجاد مخرج للقضية.

ولا يقتصر الضغط على الجانب الاقتصادي وحده، بل يتمثل أيضاً في التماسك القبلي غير المسبوق حول هدف واحد؛ فالتفاف قبائل من محافظات يمنية مختلفة حول قضية يرونها عادلة يمنح النكف القبلي بعداً اجتماعياً واسعاً، ويعزز قدرته على الاستمرار، ويبعث برسالة مفادها أن القبائل لا تزال قادرة على توحيد موقفها متى ما تعلق الأمر بقضية تمس الكرامة والحقوق، وهو ما يجعل هذا التكاتف، بحد ذاته، أحد أهم عناصر الضغط على جماعة الحوثي.

وفي المقابل، يطرح كثيرون سؤالاً آخر: إذا كانت هذه الحشود القبلية بهذا الحجم، فلماذا لا تتحوّل إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الحوثيين؟

وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولاً من فهم طبيعة النّكف القبلي في العرف اليمني؛ فالنّكف ليس إعلان حرب بالمعنى العسكري، وإنما أحد أهم أعراف القبيلة، ويُفعَّل عندما يستنجد مظلوم بقبيلته طالباً النصرة، فتلتزم القبائل بالوقوف إلى جانبه حتى يُرفع عنه الظلم وعندما يكون المستنجد امرأة، فإن الاستجابة تكتسب حساسية أكبر، لأن نصرة المرأة في العرف القبلي ترتبط بالشرف والكرامة، وهو ما يفسّر حجم التفاعل الواسع مع دعوة الشيخ حمد بن فدغم.

لكن الذين يطرحون هذا السؤال ينطلقون غالباً من أمنية أخرى، تتمثل في أن تتحوّل هذه الحشود إلى معركة لتحرير محافظة الجوف أو فتح جبهة قتال ضد الحوثيين ولا شك أن استعادة الدولة وإنهاء انقلاب الحوثيين هدف مشروع يتطلع إليه ملايين اليمنيين، إلا أن ذلك يختلف تماماً عن الهدف الذي اجتمعت القبائل من أجله.

القبائل ليست بديلاً عن الدولة، كما أنها ليست الجهة المنوط بها اتخاذ قرار الحرب أو إدارة المعارك؛ فهذه مسؤولية السلطة الشرعية، ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي والحكومة والمؤسسة العسكرية، باعتبارها الجهات التي تمتلك القرار السياسي والإمكانات العسكرية والموارد المالية والغطاء القانوني لإدارة أي مواجهة.

أما دور القبائل، فيبقى دوراً مسانداً للدولة عندما تكون هناك دولة تمتلك قرار الحرب وتطلب من القبائل مؤازرتها، لا أن تتحمّل القبائل وحدها عبء مواجهة جماعة تمتلك السلاح الثقيل ومؤسسات الدولة ومواردها.

ومن غير المنصف أيضاً مطالبة القبائل بخوض حرب شاملة وكأن أبناءها كانوا بعيدين عن المعركة طوال السنوات الماضية وهم الذين يقاتلون أصلاً في صفوف الجيش الوطني والمقاومة، وقد قدّموا آلاف القتلى والجرحى في مختلف الجبهات منذ اندلاع الحرب.

كما أن التجارب السابقة لا تزال حاضرة في ذاكرة القبائل؛ فقد خاضت قبائل حجور، وقبلها قبائل في البيضاء والجوف ومناطق أخرى، مواجهات شرسة ضد الحوثيين، لكنها وجدت نفسها في نهاية المطاف تقاتل منفردة أمام خصم يتفوّق عليها في العتاد والإمكانات، دون أن تحظى بالدعم الكافي الذي يمكّنها من الصمود.

ولهذا تدرك القبائل اليوم أن الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة، من دون وجود قرار سياسي واضح، وإسناد عسكري حقيقي، يعني تكرار التجارب نفسها بكل ما حملته من خسائر بشرية ومادية، وهو ما يجعلها أكثر حرصاً على الالتزام بالهدف الذي أعلنت من أجله النّكف، وعدم الانجرار إلى معركة تتجاوز إمكاناتها أو تخرج عن إطار القضية التي اجتمعت عليها.

لقد أثبتت التجارب خلال السنوات الماضية أن القبائل تدرك جيداً مخاطر الدخول في مواجهة عسكرية وهي بلا غطاء سياسي أو عسكري؛ فما حدث في حجور، وفي البيضاء، وفي غيرها من المناطق، لا يزال حاضراً في الذاكرة، حين وجدت القبائل نفسها تقاتل وحدها أمام جماعة تمتلك إمكانات دولة كاملة، بينما اقتصر موقف الحكومة المعترف بها دولياً على بيانات التأييد والتصريحات الإعلامية، دون أن يواكبها دعم عسكري قادر على تغيير موازين القوى.

ولذلك، فإن مطالبة القبائل اليوم بتحويل النّكف القبلي إلى حرب مفتوحة ضد الحوثيين تتجاهل الدروس التي أفرزتها تلك التجارب، كما تتجاهل حقيقة أن القبائل دفعت خلال السنوات الماضية أثماناً باهظة، تمثلت في سقوط المئات من أبنائها، وتفجير منازلهم، وتهجير أسرهم، دون أن تحقق تلك التضحيات نتائج تتناسب مع حجمها، بسبب غياب الإسناد الحقيقي.

ومن هنا، فإن استعادة الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين تبقى، في المقام الأول، مسؤولية السلطة الشرعية، التي تمتلك القرار السياسي والشرعية الدستورية والإمكانات العسكرية. أما القبائل، فدورها الطبيعي أن تساند الدولة عندما تكون هناك إرادة سياسية واضحة لخوض المعركة، لا أن تُدفع وحدها إلى مواجهة غير متكافئة.

وفوق ذلك، فإن الواقع السياسي القائم لا يوحي بوجود توجه نحو التصعيد العسكري؛ فالخطاب الرسمي للسلطة الشرعية، كما هو موقف القوى الإقليمية الداعمة لها، يركز منذ فترة على خيارات التسوية والسلام أكثر من تركيزه على استئناف الحرب، وهو ما تدركه القبائل كما تدركه جماعة الحوثي أيضاً.

ولهذا، فإن مطالبة القبائل بتجاوز الهدف الذي اجتمعت من أجله، والدخول في معركة شاملة، تبدو بعيدة عن قراءة الواقع السياسي والعسكري القائم؛ فالنكف القبلي أُعلن لنصرة امرأة تعرضت للظلم، وليس لإعلان حرب، وهو ما يجعل الحكم عليه يجب أن يكون في ضوء الهدف الذي أُعلن من أجله، لا في ضوء الأمنيات التي يحملها كثير من اليمنيين.

وفي المقابل، أثبت الشيخ حمد بن فدغم أن قضية عادلة، عندما تجد من يتبناها بشجاعة وإصرار، قادرة على توحيد القبائل وجمعها حول هدف واحد، وهو ما يعكس أن الأعراف القبلية لا تزال تمتلك قدرة كبيرة على الحشد والتأثير، متى ارتبطت بقضية يشعر الناس بعدالتها.

كما أن هذا الحراك يبعث برسالة لا تقل أهمية، مفادها أن محاولات إخضاع القبائل، سواء بالترغيب أو الترهيب، لا تعني بالضرورة أنها فقدت قدرتها على الفعل.

ولذلك، فإن استمرار الشيخ حمد بن فدغم في التمسك بالمطلب الذي أعلن النكف من أجله، ومواصلة احتشاد القبائل خلف هذا الهدف، يشكلان عامل ضغط متزايد على الحوثيين، ويضعانهم أمام اختبار حقيقي بين الاستجابة لمطلب قبلي يصفه أنصاره بالعادل، أو تحمّل تبعات استمرار الأزمة وما قد تتركه من آثار اجتماعية وسياسية في المرحلة المقبلة.

وربما يكون الدرس الأهم الذي كشفت عنه هذه القضية أن القبائل، عندما تتوحد حول قضية عادلة، تستطيع أن تعيد ترتيب موازين التأثير داخل المجتمع وأن تثبت أن حضورها لم ينتهِ، وأنها ما زالت قادرة على فرض نفسها لاعباً لا يمكن تجاهله، ليس بالضرورة دفاعاً عن الحكومة أو نيابة عنها، وإنما دفاعًا عن قيمها وأعرافها وحقوق أبنائها، وهي الرسالة التي يبدو أنها وصلت إلى الحوثيين قبل غيرهم.

قد يرى البعض أن استمرار الحوثيين في رفض الاستجابة لمطلب القبائل أمر طبيعي، انطلاقاً من اعتقادهم أن أي تراجع سيُفسَّر بوصفه رضوخاً للضغط القبلي، وهو ما قد يشجع القبائل لاحقاً على استخدام الأسلوب نفسه للمطالبة بإنصاف مظلومين آخرين أو استعادة حقوقهم.

وهذا الاحتمال وارد، لأن الجماعة تدرك أن الاستجابة في هذه القضية سيُنظر إليها على أنها اعتراف بفاعلية الضغط القبلي، وهو ما قد يدفع قبائل أخرى إلى توحيد صفوفها واستخدام الأدوات ذاتها في مواجهة مظالم مشابهة.

لكن في المقابل، فإن استمرار التعنت يحمل كلفة لا تقل خطورة، فكل يوم يمر والقضية ما زالت دون حل يمنحها زخماً أكبر ويزيد من حضورها في الوعي القبلي والاجتماعي ويجعلها تتجاوز حدود المرأة صاحبة القضية لتتحول إلى قضية كرامة تمس القبائل التي أعلنت النكف من أجلها.

ولهذا، فإن الاختبار الحقيقي لم يعد متعلّقاً فقط بمصير المرأة أو النزاع حول الفيلا وإنما بقدرة الحوثيين على احتواء أزمة أخذت تتوسع تدريجياً، وبقدرة القبائل على الحفاظ على وحدتها واستمرار ضغطها حتى تحقيق الهدف الذي أعلنت من أجله النكف.