اليمن... هل المشكلة في الداخل أم في إدارة الخارج للصراع؟
كلما اشتدت الأزمة اليمنية، انصرف الجدل إلى تبادل الاتهامات بين الشمال والجنوب، وبين هذا الطرف وذاك، حتى أصبح اليمنيون يتقاتلون على تفسير المأساة أكثر مما يبحثون عن أسبابها الحقيقية.
لا يمكن تبرئة القوى اليمنية من أخطائها، فقد ارتكبت النخب السياسية والعسكرية أخطاءً جسيمة، وأسهمت في إضعاف الدولة وتمزيق المجتمع. لكن اختزال ما حدث في صراع داخلي فقط يغفل حقيقة أن اليمن ظل، لعقود، ساحةً لتنافس المصالح الإقليمية والدولية، بحكم موقعه الاستراتيجي المطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وما يمتلكه من ثروات وموارد وإمكانات بشرية كبيرة.
من الطبيعي أن تسعى كل دولة إلى حماية مصالحها القومية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول مصالح الدول إلى سبب في إضعاف الدول الأخرى ومنعها من بناء مؤسساتها الوطنية. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل كان قيام دولة يمنية قوية ومستقلة ومتماسكة يخدم مصالح جميع القوى الإقليمية، أم أن بقاء اليمن ضعيفاً ومنقسماً كان أكثر توافقاً مع حسابات بعض الأطراف؟
هذا السؤال يستحق النقاش بعيداً عن الشعارات والانفعالات، لأن قراءة تاريخ اليمن الحديث تكشف أن التدخلات الخارجية كانت حاضرة في محطات كثيرة، مستفيدة من الانقسامات الداخلية، بل ومؤثرة في مساراتها أحياناً.
ومع كل جولة صراع، كان اليمن يخسر دولةً، ويخسر اقتصاداً، ويخسر جيلاً جديداً يُربّى على الكراهية والمناطقية والعنصرية بدلاً من المواطنة والشراكة.
إن أخطر ما أصاب اليمن ليس الحرب وحدها، بل انهيار الوعي الوطني، حتى أصبح كثيرون يراهنون على الخارج أكثر من رهانهم على وطنهم. وكل طرف ينتظر أن تمنحه دولة إقليمية السلطة أو تحسم له الصراع، بينما تؤكد تجارب التاريخ أن الدول لا تبني أوطان غيرها، وإنما تتحرك وفق مصالحها أولاً وأخيراً.
إن التنافس بين القوى الإقليمية في اليمن لا ينبغي فهمه باعتباره صراعاً من أجل مصلحة اليمنيين، بل هو في جانب كبير منه صراع على النفوذ وإدارة الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية. وحين تتفق المصالح يهدأ الصراع، وحين تختلف تتغير التحالفات، بينما يبقى اليمن هو الخاسر الأكبر.
واليوم، وبعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، أصبح من الواضح أن أي مشروع سياسي لا ينطلق من الإرادة الوطنية المستقلة سيظل مشروعاً هشاً، لأن الدولة لا تُبنى بالوصاية، ولا تُصنع بالتبعية، ولا تقوم على الكراهية أو المناطقية أو الثأر السياسي.
إن اليمن بحاجة إلى مشروع وطني جامع، يؤمن بأن كرامة المواطن فوق كل اعتبار، وأن العدالة وسيادة القانون والمواطنة المتساوية هي أساس الاستقرار الحقيقي. كما يحتاج إلى نخبة سياسية تدرك أن الارتهان للخارج، مهما كانت مبرراته، لا يصنع دولة ذات سيادة، وإنما يصنع سلطة مؤقتة مرتبطة بمصالح من أوجدها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن لا الشمال انتصر، ولا الجنوب انتصر، ولا المواطن وجد الأمن أو العدالة أو التنمية. والخاسر الحقيقي كان اليمن كله.
ولعل السؤال الذي يجب أن يطرحه كل يمني على نفسه اليوم هو: إلى متى سنظل نبحث عن مستقبلنا في عواصم الآخرين، بينما مفتاح الخروج من الأزمة يبدأ باستعادة الإرادة الوطنية، وبناء دولة تحترم الإنسان قبل السلطة، والوطن قبل المصالح.