قحطان… فكرة لا تموت
في كتابه "الهويات القاتلة"، يذهب أمين معلوف إلى أن أخطر ما تفعله الجماعات المتطرفة ليس قتل خصومها، بل تجريدهم من حقهم في الموت بوضوح، وتجريد ذويهم من معرفة الحقيقة حتى بعد الموت: فيُترك الجسد سؤالا معلقا، والحقيقة رهينة لا تفرج عنها. وهذا بالضبط ما يختصره مشهد الجثة التي وضعت أمام أسرة محمد قحطان: جسد لا يكتمل، كما لم تكتمل قط، طوال أحد عشر عاماً، الحقيقة المحيطة بغيابه.
في الخامس من أبريل 2015، اختطفت مليشيا الحوثي محمد قحطان من بيته في صنعاء، وفي التاسع من يوليو 2026، وضعت الجماعة أمام أسرته وممثلي الصليب الأحمر واللجنة الرباعية "رفاتا" قالت إنه يعود إليه. لكن الرفات، بحسب ما كشفته أسرته في تصريحات متطابقة لمنصات إعلامية، جاء بلا رأس وبلا قفص صدري؛ الجزء الأسفل من الجثمان، وعظمتين. أحد عشر عاما من الانتظار، لتنتهي إلى نصف جثة.
هذا ما يجب أن يقال بوضوح، بعيداً عن لغة البيانات الرسمية: مليشيا لم تسمح بزيارة مختطف قسريا طوال عقد كامل، تطلب اليوم من أسرته أن تصدق نصف جثمان، دون رأس يعرَّف به، ودون تفسير لماذا احتفظت الجماعة بعيّنة مستقلة من الرفات إلى جانب العيّنات الأربع الموزعة على الحكومة والصليب الأحمر والأسرة. سؤال مشروع طرحته الأسرة نفسها، ولم يصدر عنه، حتى كتابة هذه السطور، أي رد حوثي رسمي.
حين طرح قبل سنوات سؤال "من اختطف قحطان؟"، كانت الإجابة عن هوية الخاطف معروفة، فيما ظل السؤال الحقيقي عالقا على ضعف تعاطي الحكومة والقوى السياسية اليمنية مع قضيته وتجاهل الجهات الدولية لمصيره. اليوم، بعد ظهور رفات منقوص، ينتقل السؤال إلى طور جديد: من يملك، فعلا، الجواب الكامل؟ فالجماعة التي اختطفت قحطان هي ذاتها التي تقرر ماذا تظهر من جثمانه، ومتى، وبأي شروط. نمط حوثي سبق توثيقه في مفاوضات مسقط 2024، حين اشترطت المليشيا الإفراج عنه -إن كان حيا- بخمسين أسيراً حوثياً، أو تسليم جثته -إن كان ميتاً- بخمسين جثة. المنطق نفسه يتكرر اليوم بصيغة مختلفة: جثمان مجزّأ، مقابل غموض محسوب.
يستحق التذكير أيضاً بأن هذه ليست المحاولة الأولى لتسليم رفات منسوبة لقحطان. فوفق تسلسل زمني وثقته تقارير يمنية سابقة، طرحت فكرة تسليم جثمانه أول مرة عام 2016 مقابل الإفراج عن قيادي مقرب من إيران، ثم تكررت المحاولة عام 2023 مقابل ثلاث جثث أخرى، قبل أن تصل الرفات فعلياً إلى نقطة معاينة رسمية هذا الأسبوع، بعد اتفاق تبادل أسرى وقع في عمّان منتصف مايو 2026. سلسلة تفاوض طويلة، لم تكن يوماً عن الحقيقة؛ إذ يبدو كأن قحطان، بعد موته المحتمل كما في حياته المختطفة، لم يزل عملة يقايض بها لا إنسانا تروى سيرته.
بين اختطاف محمد قحطان في أبريل 2015، وبين هذا الرفات الناقص المعروض اليوم، تمتد حكاية لا تختلف كثيراً عمّا عاشه اليمنيون مع محمد محمود الزبيري قبل ستة عقود: مفكر يؤمن بفكرة الجمهورية يغتال برصاصة إمامية عام 1965، وسياسي يؤمن بفكرة الدولة الحديثة يخفى قسراً عام 2015، على يد الإمامة الحديثة. الفارق الزمني بين الحادثتين نصف قرن، لكن الفاعل الفكري واحد؛ جهة مسكونة بالحقد على كل من يحمل مشروعا وطنيا جامعا، سواء واجهته بالرصاص أو بالإخفاء القسري، والجامع هو رفض المشروع الجمهوري أو الدولة الوطنية.
غير أن ما يمنح قضية قحطان ثقلها الخاص ليس الاختطاف وحده، بل الخذلان. فحزبه، الذي مثّل قحطان وجهه المستنير لسنوات، لم يتعامل مع غيابه بالحجم الذي يليق برجل صنع لنفسه شعبية تجاوزت حدود الحزب ذاته. وقيادات اللقاء المشترك، التي طالما شاركته طاولات الحوار، اكتفت بعبارات مرتعشة لا ترقى لموقف سياسي حقيقي. وحتى الوسطاء الدوليون، الذين احتضنوا مباحثات عدة، قبلوا أن تتحول قضية إنسان إلى بند تفاوضي: خمسون أسيرا إن كان حيّا، وخمسون جثة إن كان ميتا؛ معادلة وصفتها منظمات حقوقية حينها بأنها تكافئ الجاني بدل أن تحاسبه.
اليوم، تتكرر المعادلة ذاتها بنسخة أكثر قسوة: جسد ناقص، وأسرة رفضت التوقيع دون تحفظ، وحزب يرفض إغلاق الملف طالما بقي السؤال الجوهري بلا جواب موثق: أين محمد قحطان؟ فبين رواية حوثية متناقضة زعمت أولا مقتله بغارة جوية عام 2015، ثم عادت لتُسلم عام 2026 رفاتا بلا رأس ولا قفص صدري، تبدو الحقيقة نفسها كأنها الجزء المفقود الحقيقي من هذه القضية، لا عظام الجمجمة وحدها.
وبعد أحد عشر عاماً من الإخفاء القسري، لم تعد المفارقة أن جماعة الحوثي تخفي الحقيقة، فهذا متوقع من جهة اختطفت رجلا واحتجزته بلا محاكمة ولا زيارة طوال عقد كامل. المفارقة الحقيقية أن الملف نفسه، بعد كل هذا الوقت، ما زال يدار بالطريقة ذاتها التي أدير بها منذ اليوم الأول: تسريبات، مفاوضات مغلقة، وعود مشروطة، وغياب شبه تام لأي التزام دولي فعلي بكشف الحقيقة كاملة. وكأن التاريخ، الذي ينحاز غالبا لصاحب الكلمة الحرة كما انحاز لكل من صلب جسده وبقي صوته، لم يحسم بعد إلى أي جانب سيقف في حالة قحطان: أإلى جثمانه المجزّأ، أم إلى صوته الذي ظل يطالب بدولة لا يختطف فيها أحد لمجرد إيمانه بالحوار والمواطنة؟.
إن ما يجعل قضية قحطان أكبر من ملف إنساني عابر هو أنها تختصر سؤالا أعمق من "أين محمد قحطان؟": ماذا يعني أن يختفي سياسي كان يمثل خيار الحوار، في بلد ابتلعت فيه لغة السلاح كل مساحة كانت مخصصة للسياسة؟ فحين تخفى شخصية بحجم قحطان لعقد كامل دون أن يحرك الملف بجدية من الشرعية وحزبه أو خصومه أو الوسطاء الدوليين، فإن الرسالة الضمنية لكل سياسي يمني نزيه تصبح واضحة: من يراهن على الحوار وحده، قد يدفع ثمنه وحيدا. إلا أن الرسالة الواضحة، أن الكلمة الصادقة هي من تخيف المليشيات والسلطات غير الشرعية.
باختصار، لم تكن قضية محمد قحطان يوماً قضية جثة مفقودة الرأس فقط، بل قضية تفتقر إلى الإرادة السياسية اللازمة لكشف حقيقتها. وما دام الجزء الأهم من هذه القصة، أي الحقيقة الكاملة عن مصيره، منذ اختفائه وحتى الآن، لا يزال غائباً كغياب رأس ذلك الرفات، فإن التاريخ اليمني سيسجل أن قحطان لم يختطف مرة واحدة، بل اختطف مرتين: مرة من الحوثي، وأخرى من خذلان من كان يفترض أن يكونوا صوته. التاريخ اليمني سيسجل أيضاً: قحطان… فكرة لا تموت.