الحوثي يشعل الحرب!

عبدالرزاق قاسم

كانت الأمور تسير بصورة شبه طبيعية منذ إعلان الهدنة الإنسانية في أبريل/نيسان 2022، وحتى قبل شهر، من اليوم تقريباً، حين خرج الحوثي مهددا المملكة العربية السعودية بالتصعيد العسكري، ومتوعدا بإعادة خلط الأوراق وقلب المشهد، لانتزاع الاستحقاقات والإمتيازات.

عقب تلك التهديدات، شرعت المليشيا في تنفيذ حملة تعبئة واسعة داخل مناطق سيطرتها، وحشدت المجتمع على وقع خطاب الحرب، تحت ذريعة ما تسميه "رفع الحصار". وقد جاءت هذه التحركات العسكرية والتعبوية قبل الخلاف الذي اندلع مع قبيلة دهم، حين كان فدغم ما يزال معتقلاً في سجونها، وهو ما يدحض الرواية التي حاولت المليشيا تسويقها لاحقاً، بأن المطارح القبلية تصعيدا ضدها، بينما كانت هي قد اتخذت قرار التصعيد وبدأت الاستعداد للحرب.

لكن التطور الأخطر تمثل في جرأة إيران على إرسال طائرة مدنية لاختراق الأجواء اليمنية وانتهاك السيادة الوطنية، ثم إصرارها على إعادة تسيير الرحلة إلى صنعاء رغم كل محاولات التهدئة والوساطات الإقليمية والدولية، والعروض التي قدمتها الحكومة الشرعية والقيادة اليمنية لتجنب الانزلاق نحو مواجهة جديدة.

وهذا الاندفاع الحوثي الإيراني نحو الحرب لا يمكن قراءته إلا في سياق قرار مبيت بإشعال الحرب، بعد سنوات من الهدوء النسبي الذي فرضته الهدنة، حيث أن مجمل الخطوات التي قام بها الحوثي وإيران، تؤكد أن المليشيا كانت تتحرك وفق مسار تصعيدي متكامل، وليس وفق ردود أفعال طارئة أو ظروف مستجدة.

ورغم أن غالبية اليمنيين يتطلعون إلى حسم المعركة وإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، إلا أن الحرب تظل خياراً بالغ الكلفة، بما تحمله من دماء ودمار ومعاناة إنسانية، ولذلك بدا واضحاً الحرص الحكومي على استنفاد كل فرص التهدئة، وتقديم ما يلزم من مبادرات لتجنيب البلاد جولة جديدة من الصراع، إدراكا لحجم الأعباء التي سيدفع ثمنها اليمنيون قبل غيرهم.

غير أن هذا الحرص لم يجد طرفاً يقابله بالمسؤولية نفسها، فالحوثي، ومن خلفه إيران، أظهرا إصراراً متزايداً على دفع الأوضاع نحو الانفجار، في استهانة واضحة بما ستخلفه الحرب من خسائر بشرية ومادية، وبما سيدفعه اليمنيون من أثمان باهظة نتيجة مغامرات لا تخدم سوى أطماعهم ومصالحهم.

وإذا كانت الحرب ستعود اليوم من جديد، فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية عن إشعالها، وما قد يترتب عليها من دماء وخراب، تقع بصورة كاملة على عاتق مليشيا الحوثي ومن يقف خلفها، فهي من أطلقت التهديدات، وهي من شرعت في التعبئة والحشد، وهي من رفضت مسارات التهدئة، وهي من دفعت بالأحداث نحو حافة الانفجار، بعد أن كان بالإمكان تجنيب اليمنيين جولة جديدة من المأساة.

ومع ذلك، فإن كثيراً من اليمنيين ينظرون إلى هذا التصعيد، على مخاطره، بوصفه محطة قد تقود إلى نهاية هذا الكابوس الذي جثم على البلاد لسنوات، فثقتهم بعدالة قضيتهم، وإيمانهم بحقهم في استعادة دولتهم وإنهاء الانقلاب، يجعلهم أكثر يقيناً بأن رهانات الحوثي وإيران، مهما بدت صاخبة، لن تفت في عزيمة شعب التي يناضل لاستعادة حريته وسيادته ويمتلك الكثير من أسباب الانتصار.