ما وراء التصعيد الحوثي الأخير!

توفيق السامعي

بينما كان المجتمعان الدولي والإقليمي، والشرعية اليمنية، قد قدموا مبادرة خارطة طريق للحل السياسي في البلاد دون القضاء على المليشيا الحوثية الإرهابية لاسترداد الدولة، في عملية ضد الفطرة ونواميس الكون أن يمنح الانقلاب صك غفران وشراكة في الدولة، والخضوع لكل مطالبه، وضد كل المصالح اليمنية وعلى حساب دماء عشرات آلاف الشهداء ومئات آلاف الجرحى، إذ بهذه المليشيا الإرهابية لا ترضى بكل ذلك وقامت بالتصعيد والتهديد لليمن وللمملكة العربية السعودية، في خطوة مثيرة وغريبة أدهشت الجميع!

ما الذي جعل هذه المليشيا الإرهابية تقوم بهذا التصعيد والتهديد بينما كانت كل الأمور لصالحها وعلى رأسها خارطة الطريق؟!

ثمة شيء خفي وراء ثقة وتحدي هذه المليشيا، ليس إيران وحدها ولا أجندتها، بل هذا ينبئ أن هناك من يمسك بطوق هذه المليشيا يشده حيناً ويرخيه حيناً آخر، بحسب المستجدات الدولية والإقليمية.

فبينما إيران تخرج مدمرة ومنهكة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها إذ بمليشياتها الحوثية الإرهابية تصعد، وهي الأخرى تلقت ضربات موجعة من الاحتلال الإسرائيلي بعكس الضربات الأمريكية التي كانت كذر الرماد في العيون عليها.

قلتها قديماً، وسأظل أرددها إلى حين تنكشف كل الحقائق: الحوثية بندقية مؤجَّرة، الكثير من القوى تستثمر فيها وتوجهها لصالحها في المنطقة، وعلى رأس الأمر كله ضد المصالح الوطنية بإبقاء البلاد في حالة أزمات مستمرة لا تنتهي تكون عرضة للعب هذه القوى بحسب مصالحها.

ما كان لهذه المليشيا الإرهابية أن تخرج نافشة ريشها متحدية الشرعية اليمنية والمملكة العربية السعودية إذا لم تكن هناك دول وقوى خارجية وإقليمية قد أعطتها ضوءاً أخضراً بالدعم والمساندة في حال صعدت وفجرت الصراع مجدداً في المنطقة، بينما كانت أثناء الضربات الإسرائيلية الأمريكية لا تنبس ببنت شفة وهي تتلقى الصفعة تلو الأخرى!

توضيحات محافظ الحديدة حسن طاهر حول عملية الانسحاب المذلة من الحديدة، وما جرى في كواليسها بعد اتفاق ستكهولم عام 2018، وكذا أوامر الانسحاب الغامضة من جبال نهم في يناير 2020، يكشف كثيراً من الأمور عن تواطؤ دولي إقليمي مع هذه المليشيا الحوثية الإرهابية ضد اليمن والمملكة معاً، كان على رأس ذلك الضغط بريطانيا، وهو في اعتقادي ما أخر عملية التحرير الشاملة حتى اليوم، في سعي الشرعية والمملكة لإعادة ترتيب الصفوف وتنقيحها من الاختراقات التي أضعفت الشرعية والتحالف.

وعلى الرغم من وجود نفس الأجندة في كلا الانسحابين اللذين كشفا التلاعب الإماراتي بتلك الجبهات وخيانة التحالف العربي، أدرك الجميع أن للإمارات أجندة أخرى في اليمن غير التي دعيت من أجلها لهذا التحالف؛ فقد أوحت مقابلة محافظ الحديدة في "بودكاست يمن" عن هذا التحكم والتلاعب بجبهات الساحل، في نهاية المطاف أجبر طارق صالح على تبنيه باعتباره إعادة تموضع، وكذا الجيش في نهم باعتباره "انسحاباً تكتيكياً".

ثمة فارق بسيط بين الانسحابين؛ فانسحاب نهم لم يكن مرتباً له كما رتب لانسحاب الحديدة المفاجئ؛ فقد دارت حرب في نهم بين بعض الألوية وبين المليشيا الحوثية وأذاقوها كؤوس الحِمام حتى سرت شائعة في وسط الجيش هناك أربكت الجميع أن ثمة أوامر بالانسحاب لبعض الألوية، بينما لم تكن هناك أية أوامر بالانسحاب، وما جرى هو اختراق شبكة الاتصالات لبعض القادة ولم تعرف نواة الأوامر تلك؛ ممن صدرت، وكيف طبقت، بينما بقيت بعض الألوية تقاتل حتى النهاية.

التصعيد الحوثي الذي تزامن أيضاً مع التصعيد الانتقالي في بعض المحافظات الجنوبية تحركه وتموله يد واحدة، ويعيد للواجهة النشأة الأولى بين الكيانين بالأجندة الإيرانية، والاستثمار الإماراتي الجديد.

فعلى الرغم من أن بريطانيا تكون أول من يدين تصرفات وتصعيدات الحوثيين، إلا أنها تكون أكثر من يضغط لتمرير مشاريع تلك المليشيا وتنقذها من السقوط.

في التصعيد الأخير للحوثية سارعت بريطانيا قبل كل الدول لإدانة هذا التصعيد، وننتظر في الشرعية أن تتحول هذه الإدانة إلى فعل وضغط على هذه المليشيا للرضوخ للقرارات الدولية والشرعية معاً، هذا إن كان الأمر هذه المرة قد تغير عن السابق، ولا يكون كإدانة المرحلة قبل ستكهولم ما لبثت أن ألقت طوق النجاة للحوثيين قبل الجميع! 

إيران هي العدو الظاهر حالياً والذي ينضحه الجميع بالسهام، ويتم الحديث عنه بأريحية تامة، لكن ثمة أعداء آخرون يحركون بيادق الشطرنج في المنطقة، ويزعجون اليمن والمملكة باستمرار، في محاولة منها لإشغال المملكة عن التقدم المتسارع الذي تحققه في مختلف المجالات في طريق أن تصبح الدولة الريادية في المنطقة وضمن الرواد الكبار في العالم، ولا يروق للكتل الصغيرة في المنطقة أن ترى هذه المكاسب التي تحققها المملكة.

بينما تذهب كل الآراء إلى أن الحوثية تريد تصدير أزماتها الداخلية إلى الخارج بافتعال صراعات جديدة للهروب من مواجهة الشعب اليمني الذي يئن تحت وطأتها ووطأة المجاعة التي باتت تحدق به من كل صوب، وعلى الرغم من وجاهة هذا الطرح، إلا أن ثمة مستثمرين جدد للأوضاع ويقفون خلف هذه المليشيات بكل تأكيد لإرباك المشهد في اليمن.

فالثقة التي تبديها المليشيا الحوثية في تهديداتها المختلفة تكشف ما وراء تلك التهديدات والتصعيد الأخير على الرغم من منحها خارطة طريق ما كانت تحلم بها عبر المكاسب المختلفة التي ستحققها من خلال هذه الخارطة.

الحقيقة أن التنازلات التي قدمتها الشرعية للمليشيا الحوثية في الفترة الماضية، وبضغط دولي، فتح شهيتها لطلب المزيد، وهي تطمئن إلى أن طلباتها سيتم الاستجابة لها، ولكنها لم تدرك أن الظروف تغيرت، وأنه لا يمكن التنازل لها بشيء.

بينما كانت إيران ترى أنها قد حققت مكاسب معينة من خلال اتفاقها مع ترمب بعد ضربها وتدمير مقدراتها العسكرية والنفطية، سوقت الوهم لمليشياتها الداخلية والخارجية أنها انتصرت على أمريكا، وبات عليها أن تحرك مليشياتها الحوثية للضغط باتجاه البحر الأحمر وباب المندب عبر سبر جاهزية قوات المقاومة والقوات المشتركة في الساحل بالهجوم على حيس، فتكبدت خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، وخسرت بعض الأرض التي تسيطر عليها، وبهذا وصلت الرسالة لها.

تزامن هذا التصعيد مع تواجد وفد المليشيات الإرهابية الحوثية في طهران للمشاركة في دفن جثمان الخامنائي، وصعد هذا الوفد من تهديداته من العاصمة الإيرانية طهران، وكأن الجميع حُفِّظ وأملي عليه ما يقول في تلك التهديدات، إلا أنه بات محصوراً هناك وعدم قدرته على العودة إلى صنعاء هروباً من القصف الأمريكي، والخضوع التام للشرعية والمملكة.

وبالتزامن مع هذه التحركات استجدت الضربات الأمريكية المباشرة على طهران وتركزت على منشآتها العسكرية والنفطية، مما يحبط آمال طهران في التحركات المختلفة داخلياً وخارجياً. 

لم يستفز الشرعية سوى وصول طائرة رحلة واحدة هي "ماهان" الإيرانية، بينما يرصد المراقب الدكتور عبدالقادر الخراز خلال عام واحد فقط، من 21 يوليو 2025 إلى 11 يوليو  2026 أكثر من 378 رحلة طيران أو طائرة للفترة الزمنية للرصد، وهذا يعني بمعدل متوسط رحلة يومياً كما قال!

وعلينا أن ندرك، ونتساءل: ماذا كانت هذه الطائرات تنقل للحوثيين في صنعاء، وكم من الشحنات التي نقلتها؟ ولماذا لم تستنفر الشرعية ضد هذه التحركات إلا رحلة طيران واحدة؟! ومن هي الدول التي سيرت تلك الرحلات إلى صنعاء، وما وراءها؟!

يبقى أمام الشرعية والتحالف العديد من النقاط الهامة للوقوف ضد المشروعين الانفصالي المدعوم إماراتياً، والحوثي المدعوم إيرانياً، ولا يستبعد أن يكون مدعوماً إماراتياً في الظروف الجديدة والتنسيق واحد.

تتمثل هذه النقاط في سرعة استكمال توحيد القوى العسكرية جنوباً وشمالاً، وإحكام القبضة الأمنية في الجنوب عبر مؤسسات الدولة ودعم المملكة، وعدم السماح بتصاعد الفوضى والأعمال المسلحة، وإعادة القيادات الجنوبية التي ساهمت بتحرير الجنوب التي طردتها الإمارات من الأرض كمعادل موضوعي للشخصيات التي أنشأتها الإمارات وهي تتحكم في الجنوب اليوم، وإعلان التعبئة العامة للمواطنين لأي طارئ في الشمال، وكذلك استثمار النكف القبلي في الجوف ودعمه وتوجيهه نحو التحرير الشامل.

تتكشف بعض الأجندة عن تنسيق خفي وقادم بين المليشيات الحوثية والإمارات انتقاماً من الشرعية والتحالف لطردها من اليمن بسبب عبثها وتحولها من داعم للتحالف إلى عبءٍ عليه ومتآمرٍ ضده، وهو ما أطال الأزمة وشتت القوى وأهداف التحرير واستعادة مؤسسات الدولة.