في ذكرى معركة الكرامة.. لماذا اخترنا البندقية؟
لا تزال رائحة البارود التي ملأت فجر 17-7-2017م "على أعتاب بيتي" تعطر ذاكرتي، ولا يزال صدى انفجار منزلي يتردد في أعماقي، ليس كصوت هدمٍ وانكسار، بل كإعلان ولادةٍ لعهدٍ جديد لا يقبل الخنوع.
في ذلك الفجر البعيد، لم أكن أملك ترف الحسابات السياسية أو موازين القوى العسكرية؛ حين قرع البغاة بابي بأسلحتهم الثقيلة وجبروتهم المستورد من كهوف صعدة وعمران، لم أرَ جحافلهم المُدججة، بل رأيت وجوه الأطفال ونظرات النساء، ومعها استحضرت الكرامة والشرف والعرض، وأبجديات الموت لأجلها.
سمعت صوت الكرامة يطالبني بالوقوف مهما كان الثمن. في تلك اللحظة، اختزلت الحياة كلها في خيارين: إما أن تعيش ذليلًا فوق أرضك، أو أن تموت حرًا لتبقى أرضك عزيزة.
لقد اخترنا البندقية. اخترنا أن يسبق الرصاص صرخاتهم الزائفة. رأينا الموت بألوانه، وتذوقناه لأجل الحرية. عندها تساقط الجبروت عند عتبة بيتنا الذي ظنوا أن استباحته سهلة.
نعم، فجروا الجدران والحجارة، لكن مقابل ذلك بنينا جبالًا من العزة والكرامة والإباء. فالبيوت تُبنى وتُعوض، أما الشرف والأنفة إذا هُدما، فلا تبنيهما كل أعمار الأرض.
اليوم، وأنا أرقب من مكاني هذا صحاري الجوف تتزين بالكرامة، وأرى حشود القبائل وهي تتداعى، وتلبي داعي "النكف"، وتثور كأمواج البحر الهادر تلبيةً لنداء الكرامة والدم... يرتعش قلبي هيبةً وفخرًا.
أرى في عيون الجميع ذات البريق الذي كان في عيوننا قبل ثمان سنوات، ولا تزال تلك الساعات من المعركة.
أرى الغضب ذاته، والرفض ذاته، والأنفة ذاتها التي لا تصدأ. أرى شموخ ذلك الجندي المرابط على الثغور والمواقع بعزيمة لا تلين، وأملٍ يحدوه بالنصر، متجاوزًا آلام السنوات العجاف من أجل الكرامة.
أرى مجتمعًا يعيش تحت سطوة المليشيا، يستعد لنفض غبار الذل واستعادة الكرامة.
أرى... وأرى... وأرى... تفاصيل كثيرة بعدد كل المآسي التي يعانيها اليمنيون تحت سطوة هؤلاء الدخلاء. إن الفارق بين أن تعيش ذليلًا أو حرًا قناعة تتخذها في قرارة نفسك.
والحق يبدأ في آهات مكتئب، وينتهي بزئيرٍ ملؤه النقم. اليمني قد يصمت، قد يصبر، قد يتجرع الألم حينًا مستضعفًا، لكنه لا يموت بداخله الرفض.
ومهما حاول الحوثي إذلاله، تظل كرامته كالجمر الكامن تحت الرماد، يكفي أن تمسه ريح الظلم لينفجر لهيبًا يحرق عروشهم.
يا رجال اليمن الأباة، ويا كل قبائل اليمن الشامخة، ويا جيشنا الصامد المرابط، أيها التاريخ الذي يمتد لآلاف السنين.
إن معركتنا اليوم ليست معركة أرضٍ أو حدود، بل هي معركة الوجود والهوية والمستقبل. معركة الكرامة بكل ما تعنيه الكلمة. نحن أبناء هذا البلد الطاهر.
عقدنا العزم على ألا نغادره إلا عائدين منصورين، أو تحت ذرات ترابه شهداء. نجدد العهد على تحرير كل شبر من أرضنا الطاهرة، وبشائر النصر لا تخطئها عين يمني حر.