من جيهان إلى ماهان وبينهما إيرلو.. تدخلٌ إيراني في السيادة اليمنية
في العلاقات الدولية، لا تُقاس السيادة بالشعارات، وإنما بقدرة الدولة على حماية حدودها وموانئها ومطاراتها وقراراتها السيادية. وعندما تصبح هذه المنافذ خاضعة لتأثير قوة خارجية، فإن القضية تتجاوز بعدها الخدمي أو الإنساني لتتحول إلى سؤال جوهري حول استقلال القرار الوطني.
قبل ثلاث عشرة سنة، ارتبط اسم السفينة الإيرانية "جيهان1" بواحدة من أبرز قضايا تهريب الأسلحة إلى اليمن، بعدما أعلنت السلطات اليمنية ضبطها محملة بكميات كبيرة من الأسلحة والذخائر التي قيل إنها كانت موجهة إلى جماعة الحوثي. وقد مثلت تلك الحادثة آنذاك مؤشراً واضحاً على حجم التدخل الإيراني في الشأن اليمني عبر البحر.
استمر التدخل الإيراني في دعم جماعة الحوثي الانقلابية على أشده وبلغ الأمر ذروته بإرسال إيرلو حاكما فعليا للمناطق التي تخضع للجماعة تحت مسمى السفير الإيراني لكنه ما لبث أن عاد محمولا على النعش في واقعة نفوق غامضة تشبه طريقة تسلله للبلاد.
واليوم، يعود الجدل من جديد، ولكن هذه المرة عبر الجو، مع الرحلات التي تنفذها شركة "ماهان إير" الإيرانية إلى مطار صنعاء، وهي خطوة وصفتها الحكومة اليمنية بأنها انتهاك لسيادة الدولة، لكونها تمت خارج الإجراءات الرسمية المعتمدة، واعتبرتها تحدياً للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
إن الانتقال من "جيهان" إلى "ماهان" مرورا بإيرلو لا يقتصر على اختلاف وسيلة الوصول؛ فالأولى حضرت عبر البحر، والثانية غامضة والثالثة عبر الجو، لكن الرسالة السياسية التي يقرؤها كثير من المراقبين واحدة: استمرار حضور إيران في الملف اليمني بوسائل متعددة، وفي ملفات تمس جوهر السيادة الوطنية.
وتؤكد الحكومة اليمنية أن الإشكال لا يتعلق برحلة جوية في حد ذاتها، وإنما بكونها تمت دون تنسيق مع السلطات المختصة، معتبرة أن ذلك يمثل تجاوزاً لمؤسسات الدولة ولقواعد تنظيم الملاحة الجوية الدولية. كما أشارت إلى مخاوف مرتبطة بطبيعة الرحلات وإمكانية استخدامها لأغراض تتجاوز الجانب المدني إلى مهام عسكرية مشبوهة.
إن حماية السيادة لا تتجزأ؛ فالمطار، كما الميناء، يمثلان واجهة الدولة ورمز سلطتها القانونية. وأي نشاط خارجي يتم خارج القنوات الرسمية يفتح الباب أمام مزيد من التعقيد في المشهد اليمني، ويعمق أزمة الدولة التي تعاني أصلاً من سنوات الحرب المفروضة والانقسام.
لقد أثبتت التجربة أن الصراعات الإقليمية كثيراً ما تبدأ بخطوات تبدو محدودة، ثم تتحول مع مرور الوقت إلى وقائع يصعب تغييرها. ومن هنا، فإن الحفاظ على السيادة اليمنية يتطلب احترام المؤسسات الشرعية، والالتزام بالقانون الدولي، وتجنيب اليمن أن يكون ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية.
ومن "جيهان" إلى "ماهان" وبينهما إيرلو، تتغير الأسماء وتختلف الوسائل، لكن القضية تبقى واحدة: سيادة اليمن ليست ملفاً قابلاً للمساومة، بل حق أصيل للشعب اليمني يتحتم على قادة البلد صونها في الأحداق، واعتمادها أساس أي سلامٍ عادلٍ ومستدام.