حينما تصبح الحرب الحل المفضل!

توفيق السامعي

علمنا التاريخ أنه ليس كل الحروب شراً بحتاً خاصة إن كان يرافقها مشروع إيجابي لفرض العدالة المجتمعية أو تخليص المجتمع من شرور المتسلطين، أو لوضع حد للتسيب والانفلات. بل هناك من الحروب ما هو ضروري لفرض الأمن والاستقرار وفرض النظام والقانون والدستور، وتخليص الشعوب من الطغاة والمجرمين، وأحياناً تكون ضرورتها كضرورة الماء والطعام للناس؛ إذ بها تُثَبَّت الحقوق وتصان، وبها تحقن الدماء ووضع حد لشرور لا تنتهي إلا بالكي والحرب.

الوضع المنفلت في أي بلد، والبقاء في منزلة بين المنزلتين بين اللاحرب واللاسلم يستنزف الأمة من دمائها وأمنها واستقرارها واقتصادها أكثر مما تسببه بعض الحروب بآلاف المرات، وفي اليمن اليوم أكبر الأمثلة لهذا الانفلات الواقع بين اللاسلم واللاحرب، وما يسببه هذا الوضع من كوارث وقتلى يومياً بطرق مختلفة أكثر مما سببته بعض الحروب، خاصة إن طال أمد الأزمة واستفحلت أعراضها.

ففي الشرع الإسلامي فرض الحرب في أربع حالات: - فرض الحق والنظام والشرع القائم على عدالة المجتمع، ووضع حد لتسلط الظلمة والكافرين، كما في قوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}الأنفال7 - حالة نصرة المستضعفين وتخليصهم من الظلم ونشر العدالة، كما في قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً}النساء75.

- حالة إنهاء التشرد وعودة المشردين إلى بلدهم الذي أخرجوا منه كرهاً، كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}البقرة246 - وحالة الدفاع عن النفس كما في قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}البقرة190، وقوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}الحج39 فالحرب عادةً تحمل كلفة بشرية واقتصادية وسياسية مرتفعة، وتكرهها النفس البشرية فطرة، لكنها تعد ملاذًا أخيرًا بعد استنفاد الوسائل السلمية واستعصاء حالة الإصلاح الذاتية بالموعظة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنها أيضاً لا تكون شيكاً على بياض، ولا يستغلها القائمون عليها في فرض أجندتهم الخاصة ولا أفكارهم الذاتية، ولا في حالة الانتقام.

وهذه الحالات أيضاً كفلتها القوانين والنظم الدولية كحق للدول في حالات: -    الدفاع عن النفس ضد هجوم مسلح، وهو حق تعترف به المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة -    استعادة سيادة الدولة على أراضٍ أو مؤسسات خرجت عن سيطرتها، إذا تعذر الوصول إلى تسوية سلمية، مع الالتزام بالقانون الدولي الإنساني. -    حماية المدنيين في بعض الحالات التي يجيزها القانون الدولي أو بتفويض من مجلس الأمن، مع بقاء ذلك محل نقاش سياسي وقانوني.

وقد اجتمعت كل هذه الحالات على اليمنيين جراء الانقلاب الحوثي العفاشي، وكلها مبررات ودوافع أساسية لخوض المعركة ضدهم منذ بدايتها، وهي تعتبر في سبيل الله كذلك، كما رأينا من خلال الشواهد السابقة، ولا تحتاج إلى تردد ولا تلكؤ ولا كثرة اجتهاد، وإنما كانت تحتاج فقط إرادة وعزيمة والمبادرة في اتخاذ القرار.

كان يمكن لليمنيين -في إطار الدولة- أن يخوضوا المعركة ضد الحوثيين أثناء حصار دماج لإنقاذ دماج والمستضعفين من ناحية، ومن ناحية أخرى إيقاف الانقلابيين من الزحف نحو العاصمة صنعاء وإجهاض مشروعهم الانقلابي، لكن تراخي الدولة، وعدم اكتراثها للأمر ساق إلى الانقلاب النهائي والاستيلاء على الدولة، وعادت الإمامة للحكم من جديد، وتم تدمير اليمن وقتل وتشريد أبنائه.

تكرر الأمر كثيراً، وتكررت المواقف، وكان بإمكان الجيش ومؤيديه أن يوقفوا زحف الانقلابيين (الحوثيين وأنصار صالح) في تخوم محافظة عمران لو أنهم أخذوا زمام المبادرة وتمردوا على الرئيس الذي نزع صاعق المقاومة عن الجيش واعتبره محايداً، وصور الصراع على أنه صراع مليشيات لا زحفاً للانقلابيين نحو الدولة والاستيلاء عليها، وذلك نتيجة أنانية وحسابات خاطئة لاعتقاده أنه يضرب قوى نفوذ بقوى نفوذ أخرى هو قريب منها لتمهد له الطريق لحكم مستدام، أو هكذا تم توهيمه، وهو ما لم يكن؛ فالرئيس هادي ومن معه لم يكن قارئاً لتاريخ الإمامة بشكل جيد، ولم يستفد من موقعه الطويل في الدولة في تحليل الأحداث وسبر غورها، ولو كان مدركاً لأساليبها وألاعيبها لصدها عند أول خطوة من تحركها من صعدة، وهذا الأمر كنا ندركه كباحثين تاريخيين ومواطنين عاديين، ونحذر منه كثيراً، إلا أن أصواتنا بُحّت، وكانت تشبه الصريخ وسط بحر هائج بأمواج عاتية، ولا حياة لمن تنادي. الشواهد التاريخية الإسلامية واليمنية كثيرة في مثل هذه الحروب التي تكون علاجاً للمجتمع لا عدواناً عليه، ومن أمثلة ذلك:

غزوة بدر:

كان المسلمون يتوقون فقط لاسترداد بعض ماخسروه من أموال جراء تهجيرهم من مكة، ولا يريدون الحرب مع قريش، ولكن كان لله حسابات أخرى، ومقاييس دقيقة، وهي وضع حد للانفلات، وإحقاق للحق، وقد كان القرآن الكريم دقيقاً في تصوير ذلك المشهد كل الدقة، فقال تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}الأنفال7، ثم يكرر التأكيد على المبدأ الذي فرض من أجله القتال فأعقب تلك الغاية بهذا التوكيد: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}الأنفال8

فتح مكة:

لما استعصت حالة الوفاء بالعهد والاتفاقيات والصلح الذي أبرمه الرسول –صلى الله عليه وسلم- مع قريش في صلح الحديبية، ونقضه من قبل قريش، لم يتهاون الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم يتوانى، ولم يراوغ؛ فقد كان حازماً حاسماً دون تردد في اتخاذ القرار حتى أن أقرب الناس إليه لم يعلم بقراره ووجهته إلا في حالة التحرك، وذلك ليضمن المفاجأة والنصر على قريش حتى لا تتحرك ولا تستعد، ومع قرار الحرب ذاك إلا أنه دخلها سلماً دون إراقة دماء؛ لأن مشروعه وحربه إنما لإقامة العدل وفرض الحق، لا للانتقام والقتل والتخريب الذي يصاحب الحروب.

حرب الردة: 

من يقرأ بتمعن في أمر الردة وظروفها ومآلاتها يدرك تماماً أية عظمة سلكها الخليفة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- رغم معارضة بقية الصحابة له إلا أن حزمه ذلك، وهو الرجل الودود الرقيق، حمى الأمة من الانفلات والتفكك والحروب الداخلية، وبعدها اعترف عمر له أنه كان على صواب.

قتال الملك المظفر الإمامة:

كان الإماميون متمردين على الدول في كل عصر، ويعيثون فيها الفساد؛ فيشنون الحروب والتخريب والدمار وقطع الأشجار وإحراقها بنفس مطالب ودعايات اليوم (الحق الإلهي)، ولما كثرت تمرداتهم على أيام الملك المظفر الرسولي، رغم عقد الأصلاح (جمع صلح) معهم وإقطاعهم الإقطاعات المختلفة، وتوليتهم بعض المناطق، ولم يكتفوا بما عندهم وأبوا إلا التمرد، قمعهم الملك المظفر وأراح البلاد من تمرداتهم وشرورهم، ففي عهده تولى أربعة أئمة للمشروع الإمامي؛ أحمد بن الحسين، وابن وهاس، وإبراهيم تاج الدين، والمطهر بن يحيى.

قتال الناخوذة في زبيد: حينما شنت الإمامة حروبها ضد اليمن، وقام السفاح المطهر بن شرف الدين بغزو كل مناطق اليمن وتدميرها، لم تبق معه إلا مدينة زبيد لغزوها من بين كل مدن اليمن، فما كان من الأمير أحمد الناخوذة عام 945هـ إلا أن حشد المقاومة من أبناء تهامة …