نجاح المعركة المصيرية يبدأ من الداخل
يبدو أن المعركة المصيرية تقترب، وأن خطاب القيادة السياسية بات أكثر وضوحا في اتجاه مواجهة مشروع الحوثي واستعادة سلطة الدولة. وهذا أمر نأمل أن يتحول من خطاب إلى واقع، لأن المعركة التي تنتظرها البلاد ليست معركة عسكرية فحسب، بل معركة لاستعادة الدولة ومؤسساتها وسيادتها وقرارها الوطني.
لكن نجاح هذه المعركة لا يعتمد على الدعم الخارجي وحده، مهما كان مهما، بل يبدأ أولا من الداخل، ومن قدرة الشرعية على استعادة ثقة المواطن بها. وهذه الثقة لن تعود إلا بإجراءات واضحة يشعر معها الناس أن هناك دولة حقيقية، عادلة، وقادرة على إدارة شؤون البلاد.
أولى هذه الخطوات هي توحيد رواتب موظفي الدولة، في الداخل والخارج، وفق نظام عادل وشفاف، وبعملة واحدة، وإنهاء مظاهر التفاوت غير المبرر في الحقوق والمخصصات. كما يجب مراجعة مخصصات الإعاشة والامتيازات التي تستنزف موارد الدولة، خصوصا في الوقت الذي يعاني فيه المواطن من ظروف معيشية قاسية.
ومن الضروري كذلك أن يعود الوزراء والوكلاء والمسؤولون وأجهزة الدولة إلى الداخل، وأن تمارس الحكومة والسلطات المحلية والمركزية مهامها من أرض الوطن. فلا يمكن بناء دولة قوية بينما تبقى مؤسساتها موزعة، ومسؤولوها بعيدين عن المواطنين، في حين تتعطل مصالح الناس وتضعف هيبة الدولة.
كما أن توحيد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تحت قيادة الدولة، وتفعيل مؤسساتها الدستورية، وفي مقدمتها مجلس النواب، يمثل ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. المواطن يريد أن يرى مؤسسات الدولة تعمل، وسلطاتها تتحرك، وقيادتها موجودة على الأرض، حتى يشعر أن هناك دولة قادرة على حماية مؤسساتها ومواطنيها وفرض القانون.
إن الدخول في معركة مصيرية ونحن نعاني من اختلالات مؤسسية وإدارية ومالية سيضعف موقف الشرعية ويجعلها أكثر عرضة للضغوط والتحديات. أما إعادة ترتيب البيت الداخلي، وتوحيد مؤسسات الدولة، واستعادة حضورها على الأرض، فسيجعل الشرعية نفسها محور المعركة وقوتها الأساسية.
نحن أمام لحظة تاريخية تتطلب شجاعة في اتخاذ القرارات، لا الاكتفاء بإدارة الأزمات. فالمواطن مستعد لتحمل تبعات المعركة إذا رأى أن الدولة جادة، وأن الجميع متساوون أمام القانون، وأن المسؤول قبل المواطن يتحمل مسؤولياته.
إن المعركة المصيرية لا تنجح بالسلاح وحده، ولا بالدعم الخارجي وحده، وإنما تنجح عندما يلتقي الدعم الخارجي مع دولة قوية في الداخل، وجيش موحد، ومؤسسات فاعلة، وقيادة حاضرة، وشعب يستعيد ثقته بدولته.
ولهذا فإن رسالتنا للقيادة واضحة: اصلحوا مؤسسات الدولة، ووحدوا صفوفها، أعيدوا المسؤولين إلى الداخل، وحافظوا على حقوق المواطنين بعدالة، واستعيدوا ثقة الناس، ثم اخوضوا المعركة وأنتم تمتلكون دولة قوية تقودها، وشعبا يساندها.
فنجاح المعركة المصيرية يبدأ من هنا: من استعادة الدولة لهيبتها، وثقة المواطن بدولته، وإرادة القيادة في أن تكون الدولة هي الطرف الأقوى والأكثر حضورا على الأرض.