تعيين وزيرة للخارجية في اليمن... والجدل المحتدم؟
لقد أثار تعيين الدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للخارجية وشؤون المغتربين جدلاً واسعاً ونقاشا كبيرا في الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية، وانقسمت الآراء بين من رحب بالقرار باعتباره خطوة نحو تجديد القيادة في إحدى أهم الوزارات السيادية، وبين من ركز على مسألة الخبرة الدبلوماسية ومدى ملاءمتها لقيادة وزارة تمثل واجهة الدولة أمام العالم وبين من ركز على النوع والجندرية.
ورغم مشروعية هذا الجدل، فإن النقاش، في تقديري، يحتاج إلى أن ينطلق من سؤال أكثر عمقاً: هل تخضع عملية اختيار وزير الخارجية في الدول التي تعيش الحروب والأزمات للمعايير نفسها التي تعتمدها الدول المستقرة؟
في الدول ذات المؤسسات الراسخة، غالباً ما يكون معيار الخبرة الدبلوماسية المتدرجة عاملاً رئيسياً في اختيار وزير الخارجية، لأن الوزارة تعمل في بيئة مستقرة نسبياً، وتقتصر مهامها على إدارة العلاقات الخارجية وفق قواعد مؤسسية معروفة. أما في الدول التي تعيش نزاعات مسلحة أو انقسامات سياسية حادة، فإن وظيفة وزير الخارجية تتجاوز كثيراً الإطار البروتوكولي، لتصبح جزءاً من إدارة الصراع، وصناعة التحالفات، وتأمين الدعم السياسي والاقتصادي، والتعامل مع الضغوط الدولية، والتفاوض حول ملفات تتعلق بمستقبل الدولة نفسها.
واليمن اليوم ينتمي إلى هذا النموذج الثاني. فمنذ سنوات لم تعد وزارة الخارجية مجرد مؤسسة لإدارة العلاقات الدبلوماسية، بل أصبحت إحدى أدوات إدارة الأزمة الوطنية. وهي تتعامل مع ملفات شديدة التعقيد، من بينها الحرب، والعملية السياسية، والعلاقات مع الأمم المتحدة، والتنسيق مع القوى الإقليمية والدولية، واستقطاب الدعم الاقتصادي والإنساني، والدفاع عن شرعية الدولة في المحافل الدولية، فضلاً عن رعاية شؤون ملايين اليمنيين المقيمين في الخارج.
ولهذا فإن متخذ القرار قد لا ينظر إلى الخبرة الدبلوماسية بوصفها المعيار الحاسم، وإنما يضعها ضمن مجموعة واسعة من الاعتبارات السياسية والاستراتيجية.
فالقرار في مثل هذه الظروف قد تحكمه اعتبارات تتعلق بالتوازنات داخل السلطة، أو بإعادة توزيع الأدوار بين القوى السياسية، أو بإرسال رسائل إلى الداخل والخارج، أو ببناء مرحلة جديدة تختلف في أدواتها عن المراحل السابقة. كما قد يدخل في الحسابات مدى قدرة الشخصية المختارة على الانسجام مع توجهات القيادة السياسية، وسهولة التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، وإمكانية تمثيل الدولة بصورة تحقق أهداف المرحلة.
وهنا لا ينبغي تجاهل حقيقة أصبحت واضحة في الحالة اليمنية، وهي أن القرارات المتعلقة بالمناصب العليا لا تتشكل دائماً داخل الإطار الوطني وحده، بل تتأثر بدرجات متفاوتة بالبيئة الإقليمية والدولية والصراع القائم وكذلك بما تحمله وزارة الخارجية اليمنية من تركة وتخمة في التعيينات السابقة خلال عقود من المراضات و كادر تنخره الهاشمية السياسية منذ الستينات و قوام الوزارة المترهل الذي يصعب التعامل معه بموضوعية وحياد وظيفي دون تدخلات مراكز القوى والنخب السياسية و القبلية اليمنية.
وهذه ليست خصوصية يمنية، بل تكاد تكون سمة ملازمة للدول التي تمر بصراعات داخلية، حيث تتداخل الاعتبارات الوطنية مع مصالح الحلفاء والشركاء والفاعلين الدوليين،
ومن هنا، فإن تقييم أي تعيين ينبغي ألا ينطلق من معيار واحد، مهما كانت أهميته، بل من فهم طبيعة المرحلة ومتطلباتها. ان الخبرة المهنية تظل قيمة أساسية لا غنى عنها، لكنها ليست العامل الوحيد في صناعة القرار السياسي، خصوصاً عندما تكون الدولة في حالة حرب أو انتقال سياسي معقد.
ومن ناحية أخرى، فإن النقاش الدائر حول تعيين امرأة في هذا المنصب يجب أن يبتعد عن الأحكام المسبقة. ان القيادة السياسية والإدارية المفترض انها لا ترتبط بجنس المسؤول ونوعه الجندري، وإنما بكفاءته وقدرته على الإنجاز. وقد شهد العالم تجارب ناجحة لوزيرات خارجية قدن دبلوماسية دولهن في ظروف دولية معقدة، كما شهد أيضاً إخفاقات لوزراء يمتلكون تاريخاً دبلوماسياً طويلاً. وبالتالي فإن معيار النجاح الحقيقي سيظل هو الأداء والنتائج، وليس النوع الاجتماعي.
أما ما يلفت الانتباه فهو أن كثيراً من النقاشات ركزت على الشخص، بينما أغفلت المؤسسة.
ان التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في هوية الوزير، وإنما في واقع وزارة الخارجية نفسها، وما تحتاج إليه من إصلاح إداري ومهني، وإعادة بناء معايير التعيين والترقية، وتفعيل دور السفارات والبعثات، وربط الأداء الدبلوماسي بالأهداف الوطنية، بعيداً عن المحاصصة السياسية أو الولاءات الضيقة.
وفي هذا السياق، يذهب بعض المراقبين إلى أن الوزارة تأثرت عبر سنوات طويلة بنفوذ شبكات سياسية وإدارية متعددة، الأمر الذي يجعل أي وزير جديد، رجلاً كان أو امرأة، أمام اختبار مزدوج: إدارة الملفات الخارجية من جهة، وإصلاح المؤسسة من الداخل من جهة أخرى؛ ولذلك فإن نجاح التجربة لن يقاس بعدد الزيارات الرسمية أو البيانات السياسية، بل بقدرتها على استعادة الدور المهني لوزارة الخارجية، وتعزيز حضور اليمن في المحافل الدولية، وتحسين الخدمات المقدمة للمغتربين، وإعادة بناء الثقة بالمؤسسة الدبلوماسية،
وأعتقد أن من الحكمة منح القيادة الجديدة فرصة لإثبات قدرتها، لأن الأحكام المسبقة، إيجاباً أو سلباً، لا تصنع تقييماً موضوعياً. فالعمل العام لا يقاس بالتوقعات، وإنما بالحصيلة النهائية،
ويبقى السؤال الأهم: هل سيكون هذا التعيين مجرد تغيير في الأشخاص، أم بداية لمراجعة أوسع لآليات إدارة السياسة الخارجية اليمنية، وبناء مؤسسة دبلوماسية أكثر مهنية واستقلالاً وقدرة على مواكبة تحديات الدولة في مرحلة تعد من أصعب مراحل تاريخها الحديث؟
الإجابة لن تقدمها البيانات الرسمية ولا الجدل الإعلامي، وإنما سيقدمها الأداء العملي خلال الأشهر والسنوات المقبلة، لأن التاريخ السياسي لا يحفظ أسماء من شغلوا المناصب، بقدر ما يحفظ أثرهم في بناء الدولة وخدمة مصالحها.