من ضيّق خيارات اليمنيين..؟

غالب صوفان

استوقفني مقال للأستاذ محمد زويل وهو باحث في الشأن الاستراتيجي وإدارة الصراع على صفحته في الفيس بوك يناقش فيه فقه الخيارات المرة منطلقا من الشأن الفلسطيني وكيف قبلوا في غزة بالخيار المر  بعد أن لم يعد أمامهم خيار عادل أصلاً.

وقد نبّه "زويل" إلى خطأ شائع في قراءة الأزمات وهو الاعتقاد بأن الشعوب تصل إلى الخيارات القاسية بسبب سوء إدارتها للأزمات، ويطرح سؤالاً أعمق: هل كانت هناك أصلاً خيارات عادلة تركت لهذه الشعوب، أم أن البيئة السياسية والعسكرية والإقليمية صممت بحيث تغلق أمامها البدائل فلا يبقى إلا الاختيار بين السيء والأسوأ.

هذه الفكرة تفتح باباً مهماً لقراءة المشهد اليمني، ولكن مع إدراك أن اليمن ليس نسخة من فلسطين، كما أن أسباب تضييق الخيارات في البلدين ليست متطابقة وإن تشابهت بعض النتائج.

لقد بات كثير من اليمنيين يشعرون بأنهم يعيشون بالفعل داخل دائرة الخيارات المرة غير أن السؤال الحقيقي ليس لماذا قبل اليمنيون بهذه الخيارات، بل من الذي صنع هذه المرارة.

والحقيقة أنه يصعب تحميل المسؤولية طرفاً واحداً، فقد أسهم انقلاب الحوثيين على الدولة ومخرجات الحوار الوطني في إدخال البلاد في حرب مفتوحة، وأدى إلى تفكيك مؤسسات الدولة وإعادة تشكيل الصراع على أسس عسكرية، وفي المقابل لم تتمكن القوى المناهضة للحوثيين من بناء مشروع وطني موحد، فتعددت مراكز القرار وتشظت القوى السياسية والعسكرية وأهدرت فرص كثيرة كان يمكن أن تغير مسار الأزمة.

أما التحالف العربي الذي دخل الحرب تحت شعار استعادة الدولة، فقد وجد نفسه مع مرور الوقت محكوماً بحساباته الأمنية والاستراتيجية الخاصة، وهي حسابات لم تتطابق دائماً مع تطلعات اليمنيين في بناء دولة مستقرة وموحدة ومع استمرار الحرب تعقد المشهد أكثر وأصبحت الأولويات الإقليمية في كثير من الأحيان تتقدم على الأولويات الوطنية.

وفي الوقت نفسه بدا المجتمع الدولي أكثر اهتماماً بإدارة الأزمة من حلها، فقد انصب تركيزه على تثبيت الهدن ومنع الانهيار الإنساني وحماية الملاحة الدولية أكثر من تركيزه على معالجة جذور الصراع، وإعادة بناء مؤسسات الدولة وهكذا تحولت الأزمة اليمنية في نظر كثير من القوى الدولية إلى ملف ينبغي احتواؤه لا إنهاؤه.

من هنا يمكن فهم ضيق الخيارات، الذي يعيشه اليمنيون اليوم، فهم لا يقفون أمام خيار بين السلام والحرب وإنما بين بدائل، جميعها باهظة الثمن. حرب تستنزف الجميع أو هدنة بلا أفق سياسي واضح أو تسويات قد تبقي اختلال موازين القوى أو انقسامات مرشحة، لأن تتحول إلى واقع دائم، ومع ذلك فإن المقارنة مع فلسطين تحتاج إلى قدر كبير من الدقة، فالفلسطينيون يواجهون في الأساس احتلالاً خارجياً يمثل جوهر الصراع، بينما يتداخل في اليمن صراع داخلي على السلطة، وصراع إقليمي وتنافس دولي وانقسامات سياسية واجتماعية، ما يجعل الأزمة أكثر تركيباً من أن تختزل في سبب واحد أو مسؤول واحد.

لذلك فإن اختزال المشهد اليمني في أخطاء الداخل وحدها ظلم للحقيقة، كما أن تعليق كل شيء على شماعة التدخلات الخارجية لا يقل تبسيطاً، فالواقع أن ضيق الخيارات هو نتاج تفاعل مستمر بين الانقلاب والانقسام والحرب والمصالح الإقليمية والتردد الدولي وإخفاق النخب اليمنية في إنتاج مشروع وطني جامع.

إن أخطر ما في فقه الخيارات المرة أنه قد يتحول إلى مبرر للاستسلام، بينما يفترض أن يكون أداة لفهم، كيف وصلت الأمم إلى هذه المرحلة، وكيف يمكنها الخروج منها.

وفي الحالة اليمنية، يبقى السؤال الأهم، كيف نعيد توسيع مساحة الخيارات؟، فالمستقبل لا يبنى بإدارة الأزمة إلى ما لا نهاية، ولا بترسيخ موازين القوة القائمة، وإنما بإحياء فكرة الدولة واستعادة القرار الوطني، وبناء توافق يمني يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الفئوية والإقليمية، فالخيارات قد تكون ضاقت لكنها لم تغلق بالكامل، وما دام البشر هم من صنعوا كثيراً من أسباب هذه المرارة، فإنهم يملكون إذا توفرت الإرادة القدرة على صناعة بدائل أقل مرارة وأكثر عدلاً.