كيف أعادت السوشال ميديا تشكيل الأسرة والنزاعات الاجتماعية؟

توفيق الحميدي

لم يعد مستغرباً أن يتصدر خلاف أسري منصات التواصل الاجتماعي، فتتحول قضية كان يفترض أن تبقى داخل حدود أصحابها إلى مادة للنقاش العام، ويصبح الجمهور طرفًا في نزاع لا يعرف تاريخه ولا تفاصيله. ومع كل حادثة تتكرر الأحكام ذاتها: "عيب"، و"حرام"، و "لا يجوز نشر أسرار البيوت" ، وهي أحكام صحيحة أخلاقياً ودينياً، لكنها تجيب عن سؤال: كيف ينبغي أن يتصرف الإنسان؟ ولا تجيب وحدها عن سؤال آخر أكثر تعقيداً: لماذا أصبح الناس يتصرفون بهذه الطريقة؟.

المسألة لا تتعلق فقط بتراجع القيم، بل بتحول اجتماعي أوسع أعاد تعريف الأسرة والخصوصية والسمعة والعدالة ، فهل نحن أمام انحلال أخلاقي فحسب، أم أمام بيئة جديدة غيّرت علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين، وجعلت الجمهور الرقمي جزءًا من إدارة النزاعات الخاصة؟.

في المجتمع التقليدي كانت الخصوصية قيمة تحميها الأسرة والعرف والدين، وكانت الخلافات تُدار عبر الأقارب أو الوجهاء أو القضاء. ولم يكن هذا النظام مثاليًا، فقد كان الصمت أحيانا يستر الظلم ويمنع بعض الضحايا من طلب الحماية، لكنه حافظ على حدود واضحة بين المجال الخاص والمجال العام. أما اليوم فقد ضعفت هذه الحدود، وأصبح ما يجري داخل الأسرة قابلا للتحول خلال دقائق إلى محتوى يتابعه ملايين الأشخاص.

لكن وسائل التواصل لم تصنع هذا التحول وحدها، فقد سبقتها تحولات أعمق، مثل تصاعد الفردانية، وضعف سلطة الأسرة الممتدة، وتراجع أدوار الوساطة الاجتماعية، وتحول السمعة من قيمة تُبنى داخل المجتمع المحلي إلى صورة تُصنع على الشاشة ، ثم أتت المنصات لتسرّع هذه التحولات وتمنح الفرد القدرة على تجاوز أسرته ومجتمعه ومؤسساته، واللجوء مباشرة إلى جمهور واسع يطلب منه الاعتراف بروايته.

ويفسر إرفينغ غوفمان جانبا من ذلك من خلال مفهوم "عرض الذات" ،  فالإنسان يقدم نفسه أمام الآخرين كما يقدم الممثل دوره على المسرح، ويفصل عادة بين واجهة عامة يختار ما يظهر فيها، وكواليس خاصة يحتفظ داخلها بما لا يريد كشفه. غير أن السوشال ميديا أضعفت هذا الفصل، وجعلت الحياة الخاصة جزءا من العرض، حتى أصبح الألم والخلاف والانفصال أدوات لإعادة تشكيل الصورة العامة.

ولا تعمل المنصات وفق منطق الحقيقة أو العدالة، بل وفق "اقتصاد الانتباه" ،  فقيمة المحتوى لا تُقاس بمدى دقته، وإنما بقدرته على إثارة التفاعل وإبقاء المستخدمين وقتا أطول أمام الشاشة ، ولذلك تميل الخوارزميات إلى مكافأة الرواية الأكثر صدمة وغضبا واستدرارا للعاطفة، لا الرواية الأكثر اتزانا واكتمالا ، وهكذا تتحول المأساة الشخصية إلى مورد للانتشار، والخصوصية إلى سلعة، والانفعال الجماعي إلى أرباح للمنصة.

ومن هنا يمكن فهم لجوء بعض أطراف النزاع إلى الجمهور،  فالطرف الذي يشعر بالظلم قد لا يبحث عن حل فقط، بل عن اعتراف بألمه وتأكيد أنه ليس المخطئ ، وفي حالات أخرى يصبح النشر وسيلة للضغط أو الانتقام أو حماية السمعة أو السيطرة على رواية الخلاف قبل أن يقدم الطرف الآخر روايته. لقد ظهرت بذلك صورة جديدة من "التقاضي أمام الجمهور"، حيث لا يذهب المتخاصمون إلى جهة محايدة تفحص الأدلة، بل يتنافسون على كسب التعاطف.

والأخطر أن من ينشر لا يسعى دائما إلى كشف حقيقة موجودة سلفً، بل قد يسعى إلى إنتاج حقيقة اجتماعية جديدة. فالحقيقة على المنصة تصبح، في أحيان كثيرة، ليست ما حدث بالفعل، بل ما اقتنع به العدد الأكبر من الناس. ومن يصل إلى الجمهور أولًا يحصل على قوة يصعب تعديل أثرها لاحقًا، حتى لو ظهرت وقائع تناقض روايته.

ويفسر علم النفس المعرفي ذلك بـ"أثر الأسبقية"، إذ تميل المعلومة الأولى إلى تشكيل الإطار الذي تُفهم من خلاله المعلومات اللاحقة ، سواء صورة ، فيديو ، بوست ، كما يميل الجمهور إلى التعاطف مع من يقدم نفسه في صورة الضحية، خصوصًا حين تكون الرواية عاطفية وبسيطة، بينما تكون الحقيقة غالبًا معقدة، ولا يمكن اختصار سنوات من العلاقات في منشور أو تسجيل.

غير أن الجمهور ليس متلقيا محايدا، بل هو نصف الظاهرة ، وقد وصف ديبور المجتمع الحديث بأنه "مجتمع الفرجة"، حيث تتحول الحياة إلى صور وعروض قابلة للاستهلاك. وفي هذا السياق لا يتابع بعض الناس الخلافات الأسرية بحثا عن الحقيقة، بل بدافع الفضول والترفيه والمشاركة في محاكمة جماعية تمنحهم شعورا بالسلطة الأخلاقية ، يتابعون التفاصيل، ويصدرون الأحكام، ثم ينتقلون إلى قصة أخرى، بينما تبقى آثار التشهير داخل الأسرة لسنوات.

أما زيغمونت باومان ، المفكر البولندي،  فقد وصف عصرنا بـ"الحداثة السائلة"، حيث أصبحت العلاقات أكثر هشاشة، والالتزامات أقل ثباتا، والهوية أكثر اعتمادا على نظرة الآخرين. وفي هذا العالم قد يصبح تصفيق جمهور مجهول أكثر إغراءً من إصلاح علاقة متصدعة، وقد يصبح الانتصار في معركة السمعة أهم من الوصول إلى تسوية عادلة.

في الماضي كانت السلطة الاجتماعية تمر من الأسرة إلى الوسيط ثم إلى القضاء والمجتمع. أما اليوم فقد تبدأ بالفرد، ثم تمر بالخوارزمية والجمهور، وتنتهي بحكم على السمعة الرقمية. وهذه ليست مجرد نقلة تقنية، بل إعادة توزيع للسلطة؛ إذ أصبح هاتف صغير قادرًا على هدم صورة بُنيت خلال سنوات، من دون تحقيق أو حق كامل في الدفاع.

لهذا لا يكفي أن نقول إن نشر الخصوصيات عيب أو حرام، رغم أهمية هذا الخطاب. فالأخلاق تحدد الحدود، لكنها تحتاج إلى فهم التحولات التي أضعفتها. كما لا يجوز أن تتحول حماية الخصوصية إلى ذريعة لإسكات ضحايا العنف؛ فطلب الحماية عبر الجهات المختصة يختلف عن تحويل النزاع إلى عرض جماهيري أو أداة للانتقام.

إن المعالجة تتطلب ثقافة رقمية تعيد الاعتبار للخصوصية، وتفرّق بين طلب الحماية والتشهير، وبين كشف الانتهاك واستثمار الألم في سوق الانتباه. كما تحتاج الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والقانونية إلى تأكيد أن الجمهور ليس بديلًا عن القضاء، وأن التعاطف ليس دليلًا كاملًا، وأن الانتشار لا يمنح الرواية شرعية تلقائية.

الجديد ليس أن بعض الناس يكشفون أسرار بيوتهم، بل أن المنصة تكافئهم، والخوارزمية تمنحهم الانتشار، والجمهور يضفي على روايتهم الشرعية. وهنا لا نكون أمام أزمة أخلاق فردية فقط، بل أمام تحول اجتماعي يعيد تعريف الأسرة والخصوصية والعدالة والحقيقة في العصر الرقمي.