الجبهة تدفع الثمن والمكاتب تنعم بالامتيازات

أحمد ناصر حميدان

في الجبهات رجال يقاتلون ويدفعون ثمن الحرب، ويحتاجون إلى الإمداد والمستلزمات التي تساعدهم على أداء واجبهم، بينما هناك من يعيش بعيدًا عن مخاطرها؛ الخارج يكتظ بالمترهلين وإعاشة، والداخل هناك من أحاط نفسه بالمناصب والامتيازات، وكأن الحرب أصبحت بالنسبة للبعض فرصة لترتيب الأوضاع الشخصية، فيما المواطن يتحمل الجزء الأكبر من تبعاتها.

المسألة تستحق أن نطرحها بوضوح: كم لدينا من الوكلاء والمستشارين؟ وما حجم الإنفاق على هذه المواقع؟ وهل جميعها مرتبطة بحاجات فعلية للمؤسسات، أم أن بعضها أصبح جزءًا من ترتيبات سياسية وإدارية هدفها توسيع دائرة الولاءات؟

لو جرى حصر أعداد الوكلاء والمستشارين والمواقع التي تُستحدث بقرارات إدارية، ومعرفة ما يتقاضاه شاغلوها من رواتب ومخصصات، ثم مقارنة ذلك باحتياجات القطاعات الأساسية، فقد نكتشف أن جزءًا من الموارد التي تذهب إلى هذه الترتيبات كان يمكن توجيهه إلى التعليم والخدمات ورواتب الموظفين وتحسين أوضاع المؤسسات. لكن القضية أعمق من مجرد عدد المناصب.

القضية هي كيف تُدار السلطة، وكيف تتشكل حول المسؤول دائرة من المصالح والولاءات.

أحيانًا يأتي المسؤول ليجد أمامه جماعة قائمة اعتادت العمل مع المسؤولين وخدمتهم. فإذا كان يريد الإصلاح، فإن الطبيعي أن يجري تقييمًا حقيقيًا للأداء، ويُبقي على الكفاءات ويستعين بكوادر مؤهلة حيث توجد الحاجة إلى التغيير.

لكن البعض يفضل الإبقاء على الموجودين لأنهم جاهزون للتعامل معه وتنفيذ ما يريد، ثم يضيف إليهم جماعته التي يثق بها، فتكتمل حلقة البطانة التي يريدها.

وهنا تكمن المشكلة: بدلًا من أن تكون المؤسسة هي الأساس، يصبح الولاء للمسؤول عاملًا مؤثرًا في توزيع المواقع والأدوار. ومع الوقت، قد تتحول مجموعة من الموظفين والمسؤولين إلى شبكة نفوذ تدافع عن خيارات المسؤول وتتحرك في الاتجاه الذي يريده.

وفي حالات أخرى، يأتي المسؤول ومعه مجموعة من المقربين، فيمنحهم مواقع داخل الإدارة، فتتوسع دائرة النفوذ حوله.

وهذه ليست مشكلة مرتبطة بشخص واحد أو مرحلة واحدة. فقد تغيرت الأنظمة والشعارات والتحالفات، لكن ظاهرة إعادة تدوير الوجوه وشبكات المصالح ظلت حاضرة بدرجات مختلفة.

كان النقد السياسي في مراحل سابقة يواجه باتهامات مختلفة؛ مرة بالرجعية، ومرة بالإخوانية، واليوم قد يواجه باتهامات أخرى، بحسب طبيعة الصراع السياسي القائم. تتغير التهم، لكن المطلوب أن تتغير طريقة إدارة الدولة.

التغيير الحقيقي لا يعني استبدال شخص بشخص، أو جماعة بجماعة، وإنما بناء مؤسسات تقوم على الكفاءة والقانون والمساءلة، بحيث يكون المنصب العام مسؤولية لا مكافأة، والوظيفة خدمة للمواطن لا وسيلة لبناء شبكة ولاء.

الجندي في الجبهة يحتاج إلى إمداد، والمعلم يحتاج إلى راتب، والمدرسة تحتاج إلى معلم وتجهيز، والمواطن يحتاج إلى كهرباء وماء وخدمات.

ومن حق الناس أن تسأل: هل تُنفق مواردنا وفق الأولويات العامة، أم أن جزءًا منها يذهب إلى توسيع دوائر النفوذ حول المسؤولين؟

لن نخرج من أزمتنا ما دمنا نعيد إنتاج الأساليب نفسها، ونغيّر الأسماء بينما تبقى قواعد إدارة السلطة كما هي. الجبهة تحتاج إلى من يدعمها، والمؤسسة تحتاج إلى من يصلحها، والمواطن يحتاج إلى دولة تضع احتياجاته قبل حسابات أصحاب النفوذ.