ما لا تقوله الأشياء... الرجل الذي كان يمشي أولًا!
في إحدى القرى، كان هناك رجلٌ يحب أن يمشي في مقدمة الناس. كلما خرج أهل القرية في طريق، سار أمامهم، ورفع يده: "من هنا!، سيروا هنا!" فيتبعونه.
لم يكن أحد يسأله كثيرًا. فهو يتحدث بثقة، ويمشي بسرعة، ولا يتردد.
وذات يوم، خرجت القرية كلها نحو مدينة بعيدة. سأله أحدهم: "هل تعرف الطريق؟!" قال: "طبعًا." فمضوا خلفه.
كان يتحدث طوال الطريق عن المدينة التي سيصلون إليها، وعن المكان الجميل الذي ينتظرهم هناك. فاطمأن الناس، واستمروا في السير.
بعد ساعات، وصلوا إلى مكان لم يعرفه أحد. قال أحد الرجال: "أظن أننا أخطأنا." رد عليه الرجل بثقة: "مستحيل... تابعوا." فتابعوا.
وبعد قليل، وصلوا إلى مفترق طرق. توقف الرجل لحظة، ونظر يمينًا ويسارًا، ثم أشار إلى أحد الطريقين وقال: "هذا هو الطريق."
سأله أحدهم: "وكيف عرفت؟!" قال: "لأنني أعرف." ومضوا.
وبعد مسافة طويلة، قال أحدهم: "لكن... ألسنا ذاهبين إلى المدينة؟" التفت الرجل إليه وقال: "المهم أن نستمر." ثم تابع السير.
ومع مرور الوقت، بدأ حديثه يتغير. لم يعد يتحدث كثيرًا عن المدينة. صار يتحدث عن الطريق. وكان كلما سأله أحد عن وجهتهم، قال: "لا تنشغلوا بالتفاصيل... المهم أن نبقى في الطريق."
ومضوا. حتى أرهقهم الطريق. وحين حلّ المساء، جلسوا في مكان لا يعرفون أين هو. قال أحدهم: "ألا يعرف أحدٌ أين نحن؟!" ساد الصمت. ثم سأل طفل كان بينهم: "ولماذا لم نسأل الرجل الذي يقودنا؟!"
نظروا إليه. اقترب أحدهم من الرجل وقال: "قل لنا بصراحة... هل تعرف الطريق؟!" سكت الرجل طويلًا. ثم قال: "لا." ساد الصمت مرة أخرى. قال الرجل: "لكنكم كنتم تتبعونني."
نظر الناس إلى بعضهم. وفي تلك اللحظة، أدركوا أن المشكلة لم تكن في الرجل وحده... بل في أنهم توقفوا عن السؤال، حين كان ينبغي أن يسألوا.
لكن أحد الرجال تذكر شيئًا. قال: "كنا في البداية نسير إلى مدينة." ثم نظر إلى الطريق الطويل خلفهم وأضاف: "متى أصبح المطلوب منا فقط أن نستمر في السير؟!"
لم يجب أحد. فقد أدركوا أن شيئًا آخر كان قد تغيّر دون أن ينتبهوا. لم يتغير الطريق وحده... بل تغيّرت الغاية أيضًا.
في صباح اليوم التالي، عادوا إلى القرية.
ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء بسيط بينهم. لم يعودوا يسألون: "من يمشي أمامنا؟" بل أصبحوا يسألون: "إلى أين نمضي؟" ومن يعرف الطريق، يتقدم. ومن لا يعرف، يقول: "لا أعرف." ثم يبحثون معًا عن الطريق الصحيح والمناسب.
وبعد سنوات، لم يعد أحد يتذكر اسم الرجل الذي كان يمشي أولًا.
لكن الجميع تذكروا الدرس. فالطريق لا يصبح صحيحًا لأن كثيرين يسيرون فيه، ولا يصبح الخطأ صوابًا لأن صاحبه يتحدث بثقة.
والأخطر من أن يقودك شخص لا يعرف الطريق... أن تعرف أنت أنه لا يعرف، ثم تواصل السير خلفه.
والأخطر من ذلك... أن تنسى، وأنت تسير، لماذا خرجت أصلًا.
وربما هذا ما تحتاجه الأوطان في المنعطفات الصعبة:
لا مزيدًا من الأصوات التي تقول: "اتبعوني..." بل أناسًا يملكون شجاعة أن يسألوا: "إلى أين؟" وشجاعةً أكبر أن يقولوا: "لا نعرف... فلنبحث معًا."
فالوطن لا يُبنى بكثرة الأتباع، ولا بكثرة من يمشون في المقدمة... بل بعقولٍ حرة، وضمائرَ حية، وأناسٍ يعرفون أن حب الوطن لا يعني أن نتبع أحدًا إلى المجهول، بل أن نبحث جميعًا عن الطريق الذي يعيدنا إليه.