من اخترق صنعاء؟.. العملية الغامضة التي أربكت الحوثيين

2026-09-20 03:17 الهدهد/خاص:
من اخترق صنعاء؟.. العملية الغامضة التي أربكت الحوثيين

ربما ما يميز التصعيد العسكري الحالي في اليمن هو عنصر المفاجأة والغموض؛ فمنذ بدأت الشرارة الأولى بانتهاك الطائرة الإيرانية للأجواء اليمنية في الثالث من يوليو، ثم عودتها مرة أخرى بعد عشرة أيام، واعتراض الحكومة اليمنية لها ومنعها من الهبوط في مطار صنعاء، وإعادة توجيهها إلى الحديدة بعد استهداف مدرجات مطار العاصمة بالطيران الحربي، الذي أعلنت الحكومة للمرة الأولى إدخاله إلى المعركة، توالت المفاجآت.

من الطائرة الإيرانية إلى باب المندب

أعقب ذلك إعلان وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي امتلاك طائرات مسيّرة من إنتاج محلي، ثم الهجوم الدموي الذي شنه الحوثيون على معسكرات الجيش في العبر ومأرب بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وصولاً إلى الهجوم على المخا على ساحل البحر الأحمر، ثم السيطرة على كامل مديريات الساحل الغربي وصولاً إلى باب المندب، في معركة لا تزال ظروفها والكثير من تفاصيلها غامضة، خصوصاً في ظل الانسحاب الدراماتيكي للقوات المحسوبة على الحكومة من تلك المناطق.

وأخيراً، جاءت العملية الأمنية التي استهدفت مواقع للحوثيين في العاصمة صنعاء فجر الجمعة، من دون أن تكشف أي جهة حتى الآن تفاصيلها الكاملة أو تعلن مسؤوليتها عنها.

فبعد أكثر من أسبوع على الخسائر الاستراتيجية التي منيت بها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في الساحل الغربي، تداولت وسائل الإعلام وشهود عيان وسكان، يوم الجمعة، مقاطع فيديو قالوا إنها توثق تحليق طائرات مسيّرة في سماء العاصمة صنعاء، وسط محاولات اعتراض من جانب الدفاعات الجوية التابعة للحوثيين، بالتزامن مع دوي انفجارات في أماكن متفرقة من المدينة.

ولاحقاً، أعلن الحوثيون، على لسان المتحدث العسكري يحيى سريع، في بيان مقتضب وغامض، "إفشال محاولات إجرامية في العاصمة صنعاء قام بها العدو السعودي"، متوعداً بأنها "لن تمر دون رد".

وفي اليوم التالي، أعلن سريع أن الجماعة نفذت هجومين على السعودية، استهدف الأول مواقع وصفها بـ"الحساسة" في الرياض، والثاني منشآت لشركة أرامكو في ينبع، باستخدام صواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيّرة.

ومثّلت العملية في صنعاء حالة من الغموض تكتسب طابعاً خاصاً في الحروب والمفاجآت العسكرية، في ظل عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها المباشرة عنها حتى الآن، وهو ما يثير تساؤلات حول أهدافها والنتائج التي حققتها.

عملية غامضة في قلب صنعاء

بدأ يوم الجمعة بشكل غير عادي في العاصمة صنعاء؛ فعلى خلاف الأيام السابقة، التي لم تشهد خلالها العاصمة عمليات من هذا النوع، في ظل تركّز القتال والتصعيد العسكري في محافظات أخرى، ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو لمواطنين يوثقون تحليق طائرات مسيّرة في سماء العاصمة، وسط محاولات اعتراضها بالمضادات الأرضية.

وأشار ناشرو المقاطع إلى أن التحليق شمل مناطق مختلفة من صنعاء. ورغم التكتم الشديد الذي أحاط بالعملية، تحدثت معلومات متداولة عن استهداف مقرات أمنية ومراكز سيطرة ووجود قيادات حوثية في مديرية أزال.

كما نقل مراسل قناة الجزيرة أحمد الشلفي عن مصدر أمني لم يسمّه أن العملية امتدت من منطقة بيت بوس جنوب العاصمة إلى حي الجراف والمطار شمال المدينة، وأنها استهدفت مراكز ومواقع أمنية وعسكرية، من دون أن تتضح بصورة كاملة طبيعة الأهداف التي أصابتها العملية أو حجم الخسائر التي خلفتها.

وكان لافتاً أن الحوثيين لم يعلنوا إسقاط أي من الطائرات المسيّرة، رغم ما يعلنونه عن امتلاك قدرات دفاعية تمكنهم من استهداف طائرات أكثر تطوراً، وفي المقابل، تداولت وسائل إعلام سعودية، بينها "إندبندنت عربية"، نقلاً عن مصادر لم تسمّها، معلومات عن مقتل وإصابة قيادات حوثية، وذهبت تلك الروايات إلى الحديث عن عملية إنزال بري نفذتها قوات نخبة يمنية وسعودية بواسطة طائرات عمودية، إلى جانب أسر عدد من القيادات والخبراء والمستشارين الإيرانيين قبل الانسحاب.

وتظل هذه المعلومات على عهدة مصادرها، ولم يتسنَّ التأكد من صحتها من مصدر رسمي أو مستقل موثوق، كما لم يقدم المتحدث العسكري الحوثي تفاصيل بشأن طبيعة العملية أو كيفية إفشالها.

اختراق أمني أم عملية استخباراتية؟

وبغض النظر عن التفاصيل وطبيعة الأهداف، فإن وصول طائرات مسيّرة إلى العاصمة واستهداف مواقع داخل مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين يمثل اختراقاً أمنياً بالغ الحساسية، خصوصاً في ظل الإجراءات الأمنية المشددة التي تفرضها الجماعة في صنعاء.

وقد يوحي الرد الحوثي المقتضب بوجود مخاوف من اتساع نطاق هذا النوع من العمليات أو تكراره، بما يعني نقل المعركة، بأسلوب مختلف، إلى مقر قيادة الجماعة ومراكز نفوذها.

وربطت وسائل إعلام بين تلك الطائرات ومنظومة "سكاي واسب" (Sky Wasp)، أو ما يُعرف بـ"دبور السماء"، وقيل إنها تتمتع بقدرات على استهداف أنظمة الدفاع الجوي ومخازن الأسلحة ومواقع مرتبطة بتخزين وتصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ورغم عدم صدور بيان من الحكومة اليمنية يوضح ما إذا كانت لها علاقة بالعملية، فإنها كانت قد كشفت في يوليو عن إدخال منظومات جديدة من الطائرات المسيّرة إلى الخدمة، بينها طائرتان حملتا اسمي "عيبان" و"نقم".

وخلال الأسابيع الماضية، استخدمت القوات المسلحة اليمنية الطائرات المسيّرة في أكثر من جبهة، وقالت إنها استهدفت خطوط إمداد ومواقع للحوثيين، وأوقعت خسائر في الأرواح والعتاد.

وعند عرض هذه الطائرات، كان وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، إلى جانب قائد القوات الجوية والدفاع الجوي عبدالعزيز المحيا، قد ألمح إلى وجود مفاجآت قادمة يمكن إدخالها في المعركة. ومع ذلك، لا يمكن الجزم بوجود رابط بين تلك التصريحات والعملية الأمنية الأخيرة ما لم تؤكد الحكومة ذلك رسمياً.

وفي هذا السياق، تحدث عضو مجلس النواب محمد مقبل الحميري في منشور على صفحته في "فيسبوك"، قائلًا: "الذي حدث في صنعاء ليلة الأمس كبير جدًا، أكبر مما أشيع من أنه عملية إنزال عسكري، وفعلاً كشف الكثير من عورة الحوثي ومردوده سيكون كبيرًا وخطيرًا جدًا، لطمة بين العيون، ولذلك أصيبوا بهستيريا وجنون، لأن الحدث لم يكن متوقعًا".

ويظل هذا التصريح، رغم صدوره عن شخصية سياسية ومدنية وليس عن جهة عسكرية أو أمنية، من أبرز المواقف اليمنية المتداولة بشأن العملية.

هل كانت رسالة سعودية؟

وبالنظر إلى طبيعة العملية وتوقيتها، بعد التطورات الأخيرة في الساحل الغربي والتصعيد العسكري ضد السعودية، بما في ذلك الهجمات التي أعلن الحوثيون تنفيذها ضد مواقع ومنشآت سعودية، فإن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في أن تكون العملية رسالة سعودية نُفذت دون إعلان مباشر، أو أن تكون السعودية قد زودت الحكومة اليمنية بطائرات مسيّرة هجومية متقدمة تسمح بتنفيذ عمليات من هذا النوع.

لكن هذه السيناريوهات تظل في إطار الاحتمالات التي تحتاج إلى أدلة أو تصريحات رسمية لتأكيدها.

وبغض النظر عن التفاصيل التي لا تزال غامضة، والتي ينتظر الجمهور توضيحها، تشير المؤشرات الأولية إلى أن العملية كانت أمنية واستخباراتية عالية المستوى، وربما جرى التخطيط لها بعناية لاستهداف أهداف ذات قيمة عالية، سواء كانت قيادات أو مقرات لتصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة أو أنظمة عسكرية متقدمة.

وقد تؤشر العملية، إذا تأكدت طبيعتها ونتائجها، إلى إمكانية تنفيذ عمليات أخرى من هذا النوع، وربما بصورة أكثر تطوراً وخطورة.

وقد يرجع عدم إعلان الحكومة اليمنية أو السعودية مسؤوليتها عن العملية، وفق بعض المراقبين، إلى الرغبة في ترك الغموض يأخذ مداه الطبيعي، وزيادة الضغط على الحوثيين، ودفعهم إلى تقديم روايات قد تثير أسئلة جديدة أكثر مما تقدم إجابات واضحة. وعند اتضاح الصورة الكاملة، يمكن للحكومة أو السعودية أن تكشف ما لديها من معلومات بشأن العملية وأهدافها ونتائجها.

صنعاء تدخل دائرة التصعيد

وتكمن أهمية العملية في أنها الثانية التي تستهدف العاصمة صنعاء منذ بدء التصعيد وهذه المرة ضد أهداف أمنية، وفي وقت يبدو فيه أن حدود التصعيد تتوسع تبعاً للتطورات الميدانية، لتصل إلى العاصمة التي تقع في قلب مناطق سيطرة الحوثيين.

وهذا ما قد يشكل مصدر قلق للجماعة، إذ تصبح مناطق سيطرتها التي لا تُعد مسرحاً للعمليات القتالية عرضة لهذا النوع من العمليات النوعية، بما تحمله من تأثير أمني واستخباراتي ومعنوي ونفسي.

فمثل هذه العمليات يمكن أن تقوّض الصورة التي يحاول الحوثيون تكرّيسها عن كونهم جماعة منغلقة أو محصنة ضد الاختراق، كما قد تبعث القلق في صفوف قياداتهم، وتدفعهم إلى الشعور بأنهم مراقبون وعرضة للاستهداف في أي لحظة، بما يحد من قدرتهم على الحركة والتواصل.

وبناءً على ذلك، يمكن تصوّر عدد من السيناريوهات خلال الفترة المقبلة، في ضوء هذه العملية والتطور الأمني.

أولها انتظار معرفة نتائج العملية وتفاصيلها، خصوصاً إذا ما تبين أنها حققت أهدافها بشكل كامل أو معظمها. وفي هذه الحالة، ربما تعلن الحكومة اليمنية مسؤوليتها عنها، وقد تلمح إلى تنفيذ مزيد من العمليات ضد الحوثيين، من دون الإفصاح عن الكثير من التفاصيل، للإبقاء على عنصر الغموض جزءاً من إدارة المعركة.

أما السيناريو الثاني، فإذا ما فشلت العملية بشكل كبير، أو أراد الحوثيون التعامل معها أمنياً، فقد يلجأون إلى سيناريو مضاد، ربما يتضمن الإعلان عن اعتقال متهمين ونسبهم إلى جماعات توصف بالإرهابية حاولت تنفيذ عمليات من هذا النوع، بهدف مخاطبة الخارج، وتحديداً الولايات المتحدة، والإيحاء بأنهم يواجهون الإرهاب.

وهذا السيناريو يعيد إلى الأذهان، بحسب هذا الطرح، ما حدث عام 2014، عندما كان الحوثيون يتمددون باتجاه صنعاء بالتزامن مع الحرب الأمريكية على الإرهاب في المنطقة، خصوصاً في سوريا والعراق. ويرتبط هذا الجزء برواية ضابط أمريكي سابق عمل مع قائد القيادة المركزية الأمريكية حينها لويس أوستن الذي أصبح لاحقاً وزيراً للدفاع في عهد إدارة الرئيس جو بايدن. 

أما تكرار هذا السيناريو في الظروف الحالية، فيواجه واقعاً مختلفاً، بالنظر إلى أن الحوثيين باتوا مرتبطين بشكل مباشر بتطورات تمسّ المصالح الدولية، سواء من خلال هجماتهم السابقة على الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، أو من خلال سيطرتهم الحالية على مواقع استراتيجية في الساحل الغربي واقترابهم من أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

وبالتالي، فإن وصول التصعيد إلى صنعاء لا يمثل مجرد امتداد جغرافي للمعركة، بل قد يمثل انتقالاً إلى نمط جديد من العمليات، تصبح فيه مناطق القيادة والسيطرة داخل العاصمة نفسها جزءاً من معادلة الضغط العسكري والأمني.