التعبئة العامة في اليمن.. ضرورة الدولة وحدود السلطة

توفيق الحميدي

مدخل توضيحي هذا المقال جزء من قراءة قانونية مطوّلة لدعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى التعبئة العامة. حاولت أن أضع فيه أهم نتائج تلك القراءة: القواعد الدستورية والقانونية الحاكمة للتعبئة، وأثر ترتيبات نقل السلطة عام 2022 في تفسيرها، والحدود التي قد تتيحها الضرورة حين يتعذر عمل المؤسسات وفق إجراءاتها المعتادة.

كلما واجهت الدولة اليمنية واقعة استثنائية، عاد النقاش القانوني إلى مادة منفردة من الدستور، كما لو أن المؤسسات ما تزال تعمل في الظروف التي وُضعت تلك المادة لتنظيمها. وفي المقابل، يُستدعى خطر الحرب أحيانًا لتبرير تجاوز النصوص كلها. لكن دعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في 25 سبتمبر/أيلول 2026، إلى "التعبئة العامة والنفير الوطني" تفرض سؤالًا أسبق من الحكم بصحة الإجراء أو بطلانه: ما النظام القانوني الذي يحكم السلطة اليمنية اليوم، وكيف يعمل حين تتعذر بعض آلياته المعتادة؟

وأتت دعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى التعبئة العامة والنفير الوطني، والالتفاف حول القوات المسلحة والالتحاق بها عبر القنوات الرسمية، لتفتح سؤالًا عن وضعها القانوني. فالخطاب المنشور يتضمن دعوة للمواطنين، لكنه لا يكشف، بذاته، عن صدور قرار مستقل بإعلان التعبئة العامة وما قد يرتبه من آثار على الأشخاص والموارد والمؤسسات،  ومن هنا ينبغي التمييز بين الدعوة إلى المشاركة، وإعلان نظام التعبئة بأداة رسمية تحدد نطاقه وشروط تنفيذه.

ومن غير السليم، وفق قواعد التفسير القانوني، بدء الإجابة من المادة 37 من الدستور بمعزل عن التحولات التي أعادت تنظيم ممارسة السلطة في اليمن. فمنذ عام 2011، أُدير انتقال السلطة بالاستناد إلى الدستور والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية. ثم جاء إعلان نقل السلطة في أبريل/نيسان 2022 لينشئ مجلس القيادة الرئاسي، ويحدد بنيته وآلية اتخاذ قراراته وعلاقته بمؤسسات الدولة. ولم يقتصر الإعلان على نقل صلاحيات الرئيس إلى مجموعة أشخاص، بل أقام ترتيبا انتقاليا يقوم على المسؤولية الجماعية والسعي إلى التوافق،  وجعل إعلان التعبئة العامة من اختصاص رئيس المجلس "وفقا للدستور والقانون"، مع إمكان اعتراض ثلثي أعضاء المجلس، وأبقى ولايتي مجلس النواب ومجلس الشورى ومهامهما، ونص على إلغاء ما يتعارض مع أحكامه من نصوص الدستور والقوانين. ولذلك تُقرأ المادة 37 في إطار هذا البناء القانوني كله، مع بقاء شرط موافقة مجلس النواب مسألة تستلزم بحثا مستقلا، لا افتراض سقوطه بمجرد صدور إعلان نقل السلطة.

هكذا نشأت شرعية انتقالية مركبة: الدستور حاضر فيها، لكنه لا يُقرأ بمعزل عن الوثائق التي أعادت تنظيم ممارسة السلطة. ولا يستقيم قبول هذه الوثائق لتفسير وجود مجلس القيادة، ثم إغفالها عند تفسير أحد اختصاصاته. وفي الوقت نفسه، لا يصح اعتبارها إذنًا بإسقاط القيود الدستورية التي أبقتها قائمة.

تنص المادة 37 على أن التعبئة العامة ينظمها قانون، ويعلنها رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس النواب. وتنشئ المادة 38 مجلس الدفاع الوطني للنظر في وسائل تأمين الجمهورية وسلامتها. أما المادة 36 فتحصر إنشاء القوات المسلحة والأمن بالدولة، وتحظر التشكيلات العسكرية الخارجة عنها. هذه النصوص ترسم أصل الاختصاص وحدوده. لكن تطبيقها يفترض قدرة المؤسسات المعنية على الاجتماع واتخاذ القرار في الوقت الذي يقتضيه الخطر. فإذا ثبت تعذر ذلك فعلًا، نشأ سؤال الضرورة: هل يؤدي عجز إحدى أدوات القرار إلى عجز الدولة عن أداء الوظيفة التي وُضعت الأداة لتنظيمها؟

هنا يلزم الفصل بين نظام التعبئة العامة ونظرية الضرورة. فالأول نظام استثنائي نظمه المشرع مسبقًا، وحدد له جهات وإجراءات وآثارًا. أما الثانية فتُبحث عندما يجعل ظرف جسيم استعمال بعض تلك الإجراءات متعذرًا، ويكون الخطر غير قابل للانتظار. صعوبة الحصول على الموافقة، أو بطء المسار القانوني، أو عدم ملاءمته سياسيًا، لا تكفي وحدها لاستدعاء الضرورة. وإذا أمكن اتباع الطريق الذي رسمه القانون، وجب اتباعه.

ولا تنشأ الضرورة بمجرد إعلان السلطة وجود "خطر وجودي"،  ينبغي أن يكون الخطر حقيقيًا وجسيمًا وحالًا أو وشيكًا، وأن يثبت تعذر الوسيلة العادية، وأن يرتبط التدبير المختار برد الخطر مباشرة. وفي اليمن، يجعل الاستيلاء على صنعاء ومؤسسات الدولة منذ 2014، ثم التوسع العسكري الأخير على الساحل الغربي، الحديث عن تهديد قدرة الدولة وسلامة إقليمها حديثًا ذا أساس واقعي. لكن إثبات الخطر لا يثبت تلقائيًا مشروعية كل إجراء يُتخذ لمواجهته؛ فلكل إجراء اختباره الخاص من حيث الضرورة والقدر والمدة.

ليست هذه الفكرة رخصة لإنهاء القانون أثناء الحرب. فقد قبل مجلس الدولة الفرنسي، في قضية هيرييس عام 1918، اتساعًا مؤقتًا لقدرة الإدارة على تجاوز بعض الإجراءات المعتادة بسبب ظروف الحرب، مع بقاء التدبير خاضعًا لفحص الضرورة. ويعبر الفقه الإسلامي عن القيد نفسه بقاعدتين متلازمتين: "الضرورات تبيح المحظورات" و"الضرورة تقدر بقدرها"، وبالمعنى الذي يؤكد عليه فقه الغاية من الاختصاص، فإن سلطة تُمنح لحماية الدولة ثم تُستخدم لغرض سياسي آخر تنحرف عن سبب منحها، ولو صدر تصرفها في صورة قانونية صحيحة.

ومن هذه الزاوية، لا يصبح مجلس الدفاع الوطني بديلًا عن مجلس النواب. لكن تعذر عمل البرلمان، إذا ثبت في واقعة عاجلة، لا ينبغي أن يُفهم بوصفه حظرًا مطلقا على كل تدبير لازم لحماية الدولة. الأقرب إلى منطق الضرورة أن يُتخذ ما لا يحتمل التأخير في أضيق نطاق، مع بقاء اختصاص البرلمان قائمًا، وإخضاع التدبير للمراجعة أو الإقرار حين يستطيع أداء وظيفته. تكون الضرورة هنا جسرًا مؤقتًا، لا نقلًا دائمًا للاختصاص.

وتكتسب إشارة الرئيس إلى قرارات مجلس الدفاع الوطني أهمية في هذا السياق. فالدعوة، بحسب الخطاب، استندت إلى قرارات للمجلس، لا إلى تقدير فردي مجرد. وللمجلس، بموجب المادة 38 وقانون إنشائه رقم 62 لسنة 1991، دور في إعداد سياسة تعبئة إمكانات الدولة وتقدير احتياجات الدفاع والتنسيق بين المؤسسات. تمنح قراراته الاستجابةَ سندًا مؤسسيًا في تقدير الخطر ومتطلبات مواجهته، لكنها لا تحوله إلى مشرّع يحل محل مجلس النواب.

ثم إن التعبئة، كما يظهر من قانون الاحتياط العام، أوسع من دعوة المواطنين إلى حمل السلاح. فاليمن لا ينتقل اليوم من السلم إلى الحرب؛ إنه يحتاج إلى الانتقال من وجود حرب مستمرة إلى إدارة الدولة كلها باعتبارها تواجه حربًا. وقد تستمر المعارك بينما تعمل الوزارات بموازنات متفرقة، وتتحرك القوات بسلاسل قيادة مختلفة، وتنفصل احتياجات الجبهات عن الصحة والنقل والاتصالات والدفاع المدني. لا يغير خطاب التعبئة هذا الواقع ما لم تتبعه خطة حكومية واحدة.

تبدأ الخطة بقرار رسمي يحدد إن كانت التعبئة كلية أو جزئية، ومجالها الزمني والجغرافي، والجهة التي تراجع استمرارها. ثم تحدد الموارد والاختصاصات وسلسلة القيادة ودور المحافظات في التنفيذ. وإذا استُدعي المواطن، وجب أن يعرف أين يسجل، ولمن يتبع، وما حقوقه في التدريب والعلاج والتعويض. والطبيب والمهندس والمسعف وسائق النقل جزء من قدرة الدولة على الصمود، كما أن حماية الوقود والمنشآت الطبية والخدمات الأساسية جزء من حماية المجتمع الذي يُطلب منه تحمل أعباء الحرب. ولا معنى لتعبئة تحمي الدولة عسكريًا وتستنزف قدرة الناس على الحياة.

ولهذا تحمل عبارة الالتحاق "عبر القنوات الرسمية" وزنا دستوريا: ينبغي أن تقوي التعبئة مؤسسة الدولة، وألا تنتج تشكيلات موازية لها. كما لا يجوز أن تتحول الضرورة إلى ذريعة للاعتقال التعسفي أو المصادرة أو التمييز. فمعايير حقوق الإنسان تلزم بأن تكون التدابير الاستثنائية ضرورية ومتناسبة ومؤقتة وخاضعة للرقابة، مع صون الحقوق التي لا يجوز الانتقاص منها

تبقى المادة 37، إذن، هي الأصل؛ ويحدد إعلان 2022 كيفية عمل السلطة الانتقالية؛ ويسهم مجلس الدفاع في تقدير الاحتياجات؛ ولا تُستدعى الضرورة إلا إذا ثبت تعذر المسار المعتاد وخطر التأخير. وعندئذ لا تكفي معرفة كيف تدخل الدولة الاستثناء: يجب أن نعرف من يراجع تدابيره، ومتى تنتهي، وكيف تعود الاختصاصات إلى مسارها العادي.

تحتاج الدولة في ساعة الخطر إلى قدرة أكبر على الفعل. لكنها تحتاج، في الساعة نفسها، إلى قيود أوضح على السلطة. فتلك هي فلسفة الضرورة: أن تفعل الدولة ما يلزم لبقائها، من دون أن تصبح حاجتها إلى البقاء مبررًا دائمًا لدولة لا يحكمها قانون.