هل يعرف المسؤول اليمني شيئًا اسمه الاعتزال والاعتذار؟

عبدالإله الطاهش

في السياسة اليمنية، يبدو أن بعض المسؤولين  لديهم وجوه من «ربل»؛ كما يقول المثل الشعبي لا يقطع فيها إخفاق، ولا يهزه فشل، ولا يبدو أن شيئًا اسمه نهاية المرحلة قد اخترع من أجلهم أصلًا.

علي عبدالله صالح ظل "يتقنبع" في المشهد، حتى بعد أن خرجت عليه انتفاضة شعبية بطول البلاد وعرضها. كانت الجماهير تبصق في وجه نظامه، وهو يتظاهر بأن السماء تمطر، وظل متشبثًا بالمشهد حتى «قرح أم صمعي»... فالسياسة عنده لم تكن تعرف كلمة «انتهت»، بل كانت تعرف فقط: نواصل حتى إشعار آخر!

واليوم يظهر طارق صالح إعلاميًا بعد التطورات الأخيرة في المخا والساحل الغربي، وسط اتهامات سياسية وإعلامية تصف ما حدث بالخيانة، وهي اتهامات تحتاج إلى أدلة وتحقيق حتى تتحول من رواية سياسية إلى حقيقة. لكن بعيدًا عن توصيف ما حدث، يبقى السؤال الأهم: كيف يعود المسؤول إلى الواجهة وكأن شيئًا لم يحدث؟

واللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي يعود فيها طارق إلى المشهد بعد أزمة كبيرة.

بعد أحداث ديسمبر في صنعاء، عاد إلى الظهور واستأنف نشاطه السياسي والعسكري، من دون أن يقدم ــ على الأقل في الخطاب العام ــ مراجعة علنية وافية لما جرى أو تفسيرًا سياسيًا لمسؤوليات المرحلة... خرج من العاصفة، وعاد إلى الشاشة وكأن العاصفة كانت في قناة أخرى!

ثم جاءت أحداث سيئون العام الماضي وما رافقها من مواقف مرتبطة بقضية الانفصال، فعاد إلى الظهور من الرياض، واستمر حضوره السياسي، بينما بقيت أسئلة كثيرة بلا إجابات واضحة، ولم يظهر اعتذار سياسي عن المواقف التي أثارت الجدل... في السياسة اليمنية، يبدو أن الاعتذار من الكماليات التي لا تدخل ضمن التجهيزات الرسمية للمسؤول!

واليوم، بعد التطورات العسكرية في الساحل الغربي، يعود السؤال مرة أخرى: إذا كانت هناك مسؤولية عن القرارات، أليست هناك مسؤولية سياسية عن النتائج؟

لا أحد يطلب من القائد أن يضمن النصر في كل معركة، ولا من السياسي أن يكون معصومًا من الخطأ. لكن هناك فرقًا بين أن تخسر، وبين أن تخسر ثم تتصرف وكأن الخسارة مجرد خبر عاجل انتهت مدته.

المعركة تنتهي، والخريطة تتغير، والأسئلة تتراكم... وحده المسؤول يظل في مكانه كأنه جزء من الأثاث!

وبالمناسبة، هناك مسؤولون جنوبيون ــ رغم الاختلاف السياسي الكبير معهم ــ يستحقون الاحترام في جانب واحد على الأقل: معرفتهم بأن هناك لحظة ينبغي فيها مغادرة المشهد.

علي سالم البيض غادر بعد حرب 1994. وبغض النظر عن الاختلاف حول تجربته ومواقفه، فقد أدرك أن نتائج الحرب تعني نهاية مرحلة سياسية بالنسبة إليه.

وهنا المفارقة.

هناك مسؤولون يرون أن الفشل يستوجب التراجع والمراجعة، وهناك آخرون يتعاملون معه باعتباره مجرد استراحة قصيرة قبل العودة إلى الكاميرا.

عند هؤلاء، لا توجد هزيمة تستوجب الاعتزال، ولا إخفاق يستدعي الاعتذار، ولا أزمة تفرض المراجعة، ولا حتى تقاعد سياسي محترم.

كل شيء قابل للتبرير... إلا أن يقال للمسؤول: شكرًا، لقد انتهت مهمتك!

ربما آن الأوان أن تدخل كلمات جديدة إلى قاموس السياسة اليمنية:

الاعتذار. الاستقالة. الاعتزال. التقاعد. المراجعة.

ليس لأنها عقوبات، بل لأنها جزء من احترام المسؤول لنفسه، واحترامه للناس الذين دفعوا ثمن قراراته.

فالمسؤول ليس مطالبًا بأن ينتصر دائمًا، لكنه مطالب بأن يتحمل نتيجة ما يفعل.

وإذا كان السياسي يطلب من الناس الصبر على قراراته، فعليه أن يملك الشجاعة الكافية ليقول لهم عندما يفشل: أخطأنا، وهذه مسؤوليتنا، وهذا ما سنفعله.

أما أن يخسر المسؤول المعركة، ثم يعود إلى الشاشة، ثم يخسر التي بعدها، ثم يعود مرة أخرى، ثم تتغير الخرائط والقيادات والتحالفات، ويظل هو نفسه في الصورة...