من الوظيفة العامة إلى الولاء الوطني: لماذا تصبح محاسبة المتهاونين برموز الدولة ضرورة سيادية؟
لم يكتفِ بعض وزراء المجلس الانتقالي في الحكومة، مثل مختار اليافعي، وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، وسالم السقطري، وزير الزراعة والري والثروة السمكية، بتجاهل رفع العلم الوطني في مكاتبهم الرسمية، بل ذهب بعضهم، وخصوصاً اليافعي، إلى حد رفع علم الانفصال في الاجتماعات الرسمية.
وخلال زيارته إلى صندوق رعاية وتأهيل المعاقين في عدن، عقد اجتماعاً رافعاً العلم الانفصالي إلى جواره، وكأنه وزير في حكومة أخرى لا في حكومة الجمهورية اليمنية، في سلوك يتنافى مع مقتضيات شغل الوظيفة العامة والقسم الدستوري.
وفي اليوم نفسه، واصل ذات النهج خلال لقائه قيادات الاتحاد العام لنقابات عمال "الجنوب"، إذ لم يظهر ما يدل على أنه وزير أو مسؤول حكومي يمثل دولة ذات سيادة؛ فلا علم وطني ولا شعار رسمي خلفه، وبدا أقرب إلى مسؤول نقابي أو ممثل لمكون سياسي منه إلى مسؤول حكومي يؤدي مهامه باسم الجمهورية.
وقد امتد هذا النهج إلى حضوره الشخصي في منصاته الرقمية، حيث لا تزال صورته الخلفية تحمل علم الانفصال، مع تعريف بمنصبه مجرداً من اسم حكومة البلد، وكأنه يتجنب الإشارة إلى الدولة التي يشغل منصباً رسمياً في حكومتها.
ولا يختلف الحال عن زملائه الآخرين، مثل سالم السقطري، الذي يغيب العلم الوطني عن مكتبه، ويُنقل عنه رفض ربط تعريفه باسم حكومة اليمن، في ممارسات تعزز الانطباع بأن بعض المسؤولين يتعاملون مع الوظيفة العامة باعتبارها امتيازاً سياسياً لا التزاماً دستورياً.

ولاء مزدوج يقوّض وحدة الدولة
هذه التصرفات تطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الانتماء لهؤلاء المسؤولين: هل ينتمون فعلاً إلى حكومة الدولة التي يمثلونها، أم أنهم يمثلون مشاريع سياسية موازية داخلها؟ فحين يتصرف وزير في حكومة الجمهورية اليمنية كما لو أن رموز هذه الجمهورية لا تعنيه، تتحوّل القضية إلى سؤال وجودي حول معنى الدولة نفسها: أي دولة تُدار إذا كان بعض مسؤوليها لا يتصرفون بوصفهم ممثلين لها؟
وفي هذا السياق، تتجلى أهمية رمزية العلم والنشيد والشعار بوصفها جوهر السيادة، إذ يقول النائب البرلماني علي عشال: "تبقى أعلام الدول، وشعاراتها، وأناشيدها الوطنية أكثر من مجرد ألوانٍ وألحانٍ وصور؛ إنها خلاصة السيادة، وعنوان الدولة، وصوتها أمام شعبها وأمام العالم".
وهذه الرمزية لا تتعلق بالمظاهر فقط، بل بمعنى الدولة ذاته، فالعلم الذي يُرفع فوق المباني الرسمية – كما يوضح عشال – "ليس قطعة قماش، بل إعلانٌ يوميٌّ بأن لهذه الأرض دولةً قائمة، لها كيانها وحدودها وإرادتها المستقلة".
من هنا، فإن غياب العلم الوطني عن مكتب الوزير، أو استبداله برمز سياسي، لا يحمل دلالة شكلية فحسب، بل يبعث رسالة سياسية واضحة للرأي العام: هناك من يتعامل مع الدولة كغطاء مؤقت، لا ككيان ملزم له بالولاء، وهذا ما يحذّر منه عشال بقوله إن "العبث بهذه الرموز — أو التهاون في احترامها — لا يمكن اعتباره خطأً بروتوكوليًا عابرًا، بل هو مساسٌ بجوهر الدولة ذاتها".
هذه المسألة تتجاوز الشكل إلى جوهر الالتزام الدستوري، فالوزير الذي أدى اليمين الدستورية ملزم قانونياً وأخلاقياً بتمثيل الدولة بكل رمزيتها، لا بتمثيل انتمائه السياسي، ويعزز هذا المعنى قول عشال: "المسؤول الذي أقسم اليمين على احترام الدستور والقانون لا يملك رفاهية التعامل مع رموز الدولة باستخفاف أو إهمال".
وعندما يغيب هذا الالتزام، تتحوّل الوظيفة العامة من تكليف وطني إلى مساحة تعبير حزبي ضيق، بما يقوّض فكرة الدولة الجامعة، فهي ليست مجرد مؤسسات إدارية أو هياكل تنظيمية، بل منظومة رمزية وقانونية تتجسد في الدستور والعلم والنشيد والهوية الجامعة. وحين تتهاون قيادتها في حماية هذه الرموز داخل مؤسساتها، فإنها تفتح الباب تدريجياً لتآكل مفهوم السيادة ذاته، لأن المواطن البسيط سيتساءل: إذا كان الوزير نفسه لا يرفع علم دولته، فلماذا يُطلب مني أنا احترامها أو الدفاع عنها؟
الدولة كمكاسب شخصية وسياسية
هذا التناقض يخلق حالة من الازدواجية السياسية داخل بنية السلطة؛ فمن جهة، يستفيد المسؤول من امتيازات المنصب العام الذي توفره الدولة: الشرعية، الموارد، الحماية القانونية، والمكانة السياسية، ومن جهة أخرى، يبعث بإشارات عملية توحي بعدم اعترافه الكامل بهذه الدولة. وهنا تتجسّد الحالة التي وصفها عشال بدقة حين قال: "حين يتحول المنصب العام من تكليفٍ إلى غنيمة، ومن مسؤوليةٍ إلى امتياز، تنشأ حالةٌ شاذة في بنية الدولة".
وفي هذا الإطار، يرى المحلل السياسي والعسكري محمد الكميم أن المسؤول الحكومي الذي يمثل الجمهورية اليمنية في الداخل والخارج، ويشرف على وزارة تمتد فروعها إلى جميع المحافظات، "ملزم سياسياً ودستورياً بأن يعكس التزامه بوحدة الدولة ورمزيتها"، مؤكداً أن طبيعة المنصب الوزاري تفرض التعامل مع كامل الجغرافيا الوطنية بوصفها إطاراً واحداً للتمثيل، لا مساحة لاصطفافات سياسية ضيقة.
ويشير الكميم إلى أن الإشكالية لا تتعلق بشخص الوزير بقدر ما تتعلق بطبيعة الدور الذي يشغله، إذ لا يمكن لمسؤول اتحادي أن يتصرف رمزياً كمسؤول محلي أو كقيادي في مكون سياسي، وهو يمثل دولة كاملة في المحافل العربية والدولية.
هذه الازدواجية تجعل المسؤول يجمع بين الامتياز والهدم في آنٍ واحد، يتمسك بلقب الدولة وصلاحياتها ومزاياها، وفي الوقت ذاته يضعف مظاهر سيادتها ورمزيتها، وهو ما يطرحه عشال في تساؤله الجوهري: "أيُّ تناقضٍ هذا الذي يجعل المرء حريصًا على الانتساب إلى الدولة، مستميتًا في الدفاع عن صلاحيات منصبه، ثم لا يتورع عن إضعاف مظاهر سيادتها أو الانتقاص من رموزها؟".
تجاهل القيادة يشجّع الانتهازية
مما يُثيرالقلق أكثر أن هذه الممارسات لا تُواجَه بالمحاسبة، بل يتم استيعابها سياسياً تحت مبررات "التوازنات" وبدلاً من فرض الالتزام الصارم بالدستور والقانون، يتم تطبيع فكرة أن من يرفع خطاباً انفصالياً يمكن أن يكون جزءاً من حكومة دولة موحدة دون أن يلتزم حتى بأبسط مظاهر تمثيلها، وهذا ما يحذّر منه عشال بقوله إن الصمت على هذه التناقضات "يراكم ثقافة الإفلات من المسؤولية، ويُطبِّع الانحدار كأمرٍ اعتيادي".
ومع مرور الوقت، يُضعف تطبيع هذا السلوك جهود توحيد الدولة ووحدة قرارها السياسي والأمني، ويعزز صورة دولة تعيش ازدواجية في تعريف ذاتها: خطاب جمهوري رسمي من جهة، وخطاب انفصالي رمزي داخل مؤسساتها من جهة أخرى، وهذا الارتباك ينعكس على قدرتها في فرض سيادتها وفي إقناع المواطنين بجدوى الانتماء إلى مشروع وطني جامع.
وفي المحصلة، فإن استمرار هذا التناقض داخل مؤسسات الدولة لا يمسّ المظهر الرمزي، بل يضرب في عمق فكرة الدولة ذاتها، ويضعف قدرتها على استعادة ثقة المواطنين وترسيخ شعورهم بوجود كيان وطني جامع، ذلك أن الدولة التي لا تُصان رموزها في أعلى هرم السلطة، لن تستطيع أن تفرض هيبتها في بقية مستوياتها، ولن تنجح في تطبيع الأوضاع العامة أو إعادة بناء العقد السياسي بينها وبين المجتمع.