الحكيمي… سيرة رجل قاتل من أجل التحرير وبقي وفياً للوحدة حتى الرحيل
في قرية النجد بمديرية حيفان بمحافظة تعز، وُلد محمد عبده نعمان الحكيمي، قبل أن تمتد رحلته بين عدن وتعز وصنعاء وموسكو، حيث توفي في 23 يونيو 1995، وبين هذه المحطات تشكلت سيرة أحد أبرز رواد الحركة الوطنية اليمنية، جامعا بين النقابة والسياسة والإعلام والبندقية، وبين مشروع التحرير ومشروع الوحدة.
الريف الذي أنجب مشروعاً وطنياً
تشرّب الحكيمي مبكرا الهوية والانتماء من خلال نشأته الريفية، ثم حدث التحوّل الثاني في حياته عندما انتقل من قرية في الشمايتين إلى مدينة كعدن، التي كانت مزدهرة بالثقافات والانفتاح ودرس فيها مرحلتي الابتدائية والإعدادية، مما خلق لديه مقارنة بين عالمين؛ عالم البيئة البسيطة التي قدم منها وعالم جديد أسهم في بلورة وعيه السياسي.
وحول هذا التحوّل، يقول الكاتب محمد عبدالوهاب الشيباني إن الشاب (يقصد الحكيمي) الممتلئ حيوية ونباهة الشاب الممتلئ حيوية ونباهة، بدأ يعي شيئًا مختلفًا، وهو أن الصوت المنكسر في 48 (فشل الثورة)كان هناك من هو قادر على بعثه من جديد وبوسائل توصيل أحدث وأشمل".
السودان… اتساع الأفق
في عام 1949، ابتُعث إلى السودان والتحق بمعهد المعلمين هناك، حيث كان التعليم متقدما مقارنة ببلدان أخرى، وإلى جانب ذلك، كان السودان يعيش تنوعا سياسيا وثقافيا، الأمر الذي ساهم في تكوينه المعرفي والسياسي أكثر ليعود بمؤهل علمي للعمل في عدن أواخر 1951، ويلتحق بسلك التدريس في مدينة التواهي تحديدًا. استثمر في علاقاته التي كان قد نسجها مع المعلمين هناك مما سمح له بالوصول إلى منصب الأمين العام لنقابة المعلمين وهو في الرابعة والعشرين من العمر.
لم يكتفِ الحكيمي بالتدريس فقط، بل عمل على تأسيس نادي رياضي باسم "نادي شباب التواهي"، ومارس فيه هوايته في لعب كرة القدم، والأهم من ذلك نسج علاقات سياسية تزامنا مع المناخ الذي أحدثته ثورة يوليو في مصر.
وعندما شرعت سلطات الاحتلال في إصدار قانون انتخابات المجلس التشريعي عام 1955، الذي همّش فئات واسعة من السكان، "أسهم في تأسيس الجبهة الوطنية المتحدة من النقابات المهنية، وانتُخب أميناً عاماً لها"، كما يروي الشيباني، ليتمكن لاحقا عبر الجبهة، التي كانت قد اكتسبت شعبية، إلى الدعوة لمقاطعة الانتخابات، ونجح في إفشالها
تصاعد تأثير الجبهة في الشارع، خاصة مع طرحها شعار "عدن يمنية" في مواجهة شعارات انعزالية أخرى، ونتيجة لهذا الدور النقابي والسياسي، الذي اعتبره الاحتلال نشاطا مزعجا تم إبعاده من عدن في أبريل 1956.
تعز… الكلمة في خدمة القضية
بعد عودته إلى محافظته تعز، كان الحكيمي متأثرا بالمد القومي الناصري وسطوع حركات التحرر الوطني، الأمر الذي عزز لديه فكرة الكفاح المسلح ضد الاحتلال في جنوب الوطن. حاول الحكيمي إقناع الإمام أحمد الذي كان يحكم من تعز دعم مجاميع من أبناء المحميات بما في ذلك عدن نفسها للقيام بعمليات ضد الاستعمار لكنه لم يستجب، وبعد عامين من ذلك، وافق على منحه فرصة إعداد وتقديم برنامج إذاعي موّجه لأبناء الجنوب باسم "ركن الجنوب اليمني المحتل" عبر إذاعة صنعاء.
في تلك الفترة، كان عبدالرزاق باذيب، موجود في تعز يدير أول مكتب لتحرير الجنوب اليمني المحتل، بعد أن فك ارتباطه مع حزب الرابطة، الذي كان يمتلك هو الآخر مكتبًا تنسيقيًا في تعز، كما يقول الشيباني.
وعن تلك المرحلة وعلاقة الحكيمي بباذيب، يقول المناضل عمر الجاوي: "ومنذ العام 1959 حاول -أي محمد عبده نعمان- مع زميله عبدالله باذيب، توحيد مركزيهما في عدة لقاءات حوار بدار الضيافة في تعز، انتهت جميعها بالفشل رغم طموح الجميع إلى الوصول إلى نتيجة، ولعل من أسباب الفشل أن نعمان لا يحرّم أي نوع من الكفاح، ولا يرى مانعًا في التعامل مع أية جهة مادام الأمر يتعلق بتحرير الجنوب اليمني المحتل، بينما كان الفقيد باذيب يضع شروطًا للتعامل، ولا يوافق على حمل السلاح في تلك الظروف، ولا يتساهل في موضوع التباينات في الهدف السياسي".
من الكفاح المسلح لبناء الدولة
بين 1958 و1961 أسهم في تشكيل عدة تنظيمات سياسية مثل الاتحاد الشعبي ثم القومي، قبل أن يتبنى خيار الكفاح المسلح لتحرير الجنوب. وعندما قامت ثورة 26 سبتمبر 1962، كان من المشاركين في التمهيد لها، ثم تولى قيادة محور حريب – بيحان لمواجهة القوات الملكية.
أظهر شجاعة ومقدرة عسكرية لافتة، ما أدى إلى منحه رتبة عميد، وقد جمع بين السياسة والسلاح، وكان يتملك رؤية سياسية متكاملة، تربط بين تحرير الجنوب وترسيخ الجمهورية في الشمال.
بعد تثبيت أركان الجمهورية، عُيّن مستشاراً لشؤون الوحدة اليمنية، ثم وزيراً لشؤون الوحدة، ولاحقاً وزيراً للإعلام، وخلال حصار صنعاء عام 1968 كان عضواً في اللجنة العليا للمقاومة الشعبية ومناصب أخرى.
المشروع الوحدوي والانفتاح السياسي
ظل مشروع الوحدة اليمنية محوراً ثابتاً في مسيرته، ولم يكن ينظر إلى الوحدة كشعار عاطفي، بل كخيار استراتيجي قائم على وحدة الجغرافيا والهوية، فكان بحق كما وصفه الجاوي "رائد الوعي الوحدوي اليمني في تاريخ الحركة الوطنية اليمنية المعاصرة"
وفي يناير 1990، قبيل إعلان دولة الوحدة، شارك مع عمر الجاوي في تأسيس حزب التجمع الوحدوي اليمني، كأحد أوائل الأحزاب التي أعلنت نفسها في المرحلة الانتقالية.
وعن الرجلين، يقول يحيى العرشي وزير الثقافة الأسبق وعضو مجلس الشورى: "إن محمد عبده نعمان الحكيمي هو رديف للمناضل الراحل عمر الجاوي سواء كان ذلك فيما يتعلق بالحركة الوطنية وإن كان نصيب محمد عبده نعمان نصيب الأسد ، في أنه أضطلع بالحركة الوطنية في عدن ، وكان يسعى لأن تأتي الحركة الوطنية من الحركة النقابية ، وليس من فوق، ولذلك كان يشكل إزعاجا للاستعمار في عدن ، لأنه كان يتعامل مع الفئات المنتجة".
أدوار متعددة وإرث زاخر
يظل الحكيمي واحداً من الأسماء البارزة في مسار الحركة الوطنية اليمنية؛ فقد جمع في تجربته بين أدوار متعددة؛ كان معلماً ومربياً، ونقابياً فاعلاً، ومقاتلاً في ميادين الجمهورية، ثم رجل دولة حمل مسؤوليات تنفيذية ودبلوماسية، ولم ينظر إلى هذه الأدوار بوصفها مسارات منفصلة، بل حلقات مترابطة في مشروع وطني واحد يقوم على تحرير الجنوب وترسيخ الجمهورية، وتحقيق الوحدة.
لم يكن مجرد مناضل أو وزير أو وحدوي، بل نموذج لجيل آمن بأن بناء الدولة يحتاج إلى تنظيم وجهد وتضحية، وأن المشروع الوطني لا يقوم على الشعارات وحدها، بل على العمل المتواصل والإيمان بفكرة جامعة تتجاوز اللحظة الآنية.