بعد 11 عاماً على مجزرة العبر.. هل كانت خطأ عسكرياً أم بداية صراع خفي داخل التحالف؟

2026-03-11 00:03 الهدهد/عبدالعزيز الأبارة:
بعد 11 عاماً على مجزرة العبر.. هل كانت خطأ عسكرياً أم بداية صراع خفي داخل التحالف؟

 

بعد أحد عشر عاماً على تلك الليلة الدامية في صحراء العبر شرق اليمن، ما تزال ذكرى مجزرة معسكر اللواء 23 ميكا حاضرة في ذاكرة العسكريين اليمنيين بوصفها واحدة من أكثر الحوادث إثارة للجدل في مسار الحرب. فالحادثة التي وقعت في بدايات تدخل التحالف العربي لم تكن مجرد ضربة عسكرية عابرة، بل تحولت مع مرور الوقت إلى محطة مفصلية أثارت أسئلة عميقة حول طبيعة القرار العسكري داخل التحالف ومسار العمليات في اليمن.

ورغم مرور أكثر من عقد على الواقعة، لا تزال المجزرة تُستعاد في النقاشات السياسية والعسكرية باعتبارها من أكثر الملفات حساسية في تاريخ الحرب. فإلى جانب الخسائر البشرية الكبيرة التي خلفتها، ارتبطت الحادثة منذ وقوعها بجدل واسع حول الملابسات التي أحاطت باستهداف قيادات عسكرية يمنية كانت تشارك في معركة استعادة الدولة.

ومع تصاعد التنافس الإقليمي على النفوذ في اليمن خلال السنوات الأخيرة، عاد كثير من المراقبين إلى إعادة قراءة ما جرى في السابع من يوليو/تموز 2015. فبينما قُدمت الضربة آنذاك باعتبارها خطأً تقنياً، يرى محللون أن ما حدث كشف مبكراً عن تعقيدات داخل معسكر الحلفاء أنفسهم، وما وصفه بعضهم ببدايات "الطلاق الصامت" بين أجندات متباينة ظهرت آثارها لاحقاً في مسار الحرب.

فصل جديد من المكاشفة في تطور لافت يعكس حجم التوتر المتصاعد بين أطراف إقليمية مؤثرة في الملف اليمني، أعادت وسائل إعلام سعودية ونشطاء مقربون من دوائر صنع القرار في الرياض فتح ملف مجزرة العبر من زاوية مختلفة عما طُرح في السنوات الماضية.

وذهبت تقارير صحفية سعودية مؤخراً إلى القول إن الضربة التي استهدفت مقر قيادة الجيش الوطني في العبر كانت تدبيراً إماراتياً، استهدف – بحسب تلك الروايات – إضعاف النواة الأولى لجيش وطني كان يتشكل في تلك المرحلة المبكرة من الحرب.

وبحسب هذه القراءة، فإن تلك الحادثة تُدرج ضمن سلسلة من الأحداث التي أثرت على تماسك القوات الموالية للحكومة اليمنية، في ظل تنافس غير معلن على النفوذ داخل المناطق المحررة، خصوصاً في المحافظات الشرقية والساحلية.

لحظة مفصلية في مسار الحرب

وفي هذا السياق، يرى الصحفي اليمني فهد سلطان أن حادثة العبر لا يمكن التعامل معها كواقعة عسكرية معزولة في سياق حرب مضطربة، بل كإحدى اللحظات المفصلية التي كشفت مبكراً طبيعة المسار الذي ستسلكه الحرب في اليمن.

ويقول سلطان إن اليمنيين كانوا ينظرون في تلك المرحلة إلى تدخل التحالف العربي بوصفه خطوة لإنقاذ الدولة ومنع انهيارها الكامل، وكانت الآمال كبيرة بإعادة بناء المؤسسة العسكرية واستعادة مؤسسات الدولة.

لكن الضربة التي استهدفت معسكر اللواء في العبر – وأسفرت عن سقوط عشرات الجنود والضباط، بينهم العميد أحمد يحيى الأبارة – طرحت، بحسب سلطان، أول تساؤل كبير في الوعي اليمني حول حقيقة ما يجري على الأرض.

ويضيف أن استهداف معسكر يتبع الجيش الذي كان يُفترض أن التحالف جاء لدعمه حمل دلالات عميقة، وفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة الأجندات المتداخلة في الحرب.

كما يشير إلى أن عدم فتح تحقيقات شفافة حتى اليوم لكشف ملابسات الحادثة وإنصاف الضحايا ترك جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الوطنية، وجعل "مجزرة العبر" رمزاً مبكراً لمرحلة طويلة من الالتباس في مسار الحرب.

غارات في وقت الإفطار

وبالعودة إلى تفاصيل ذلك اليوم، تشير روايات متطابقة إلى أن مقاتلات التحالف استهدفت المركز المتقدم لوزارة الدفاع في منطقة العبر بثلاث غارات جوية متتالية، تزامنت مع لحظة تناول الضباط والجنود وجبة الإفطار في شهر رمضان.

وأسفرت الضربات عن مقتل أكثر من مئة جندي وضابط، بينهم قائد اللواء العميد أحمد يحيى الأبارة، إضافة إلى عدد من الضباط الذين كانوا يشكلون جزءاً مهماً من الخطط العسكرية الرامية لاستعادة السيطرة على مناطق خاضعة للحوثيين.

وتقول شهادات ناجين من الهجوم إن الضربة جاءت في لحظة كان المعسكر فيها مكتظاً بالضباط والجنود، ما ضاعف من حجم الخسائر البشرية التي خلّفتها الغارات.

كما تشير بعض الروايات إلى وجود خلافات سابقة داخل غرفة العمليات حول آليات إدارة المعارك وخططها، إلا أن هذه الروايات لم تُحسم رسمياً بسبب غياب تحقيقات مستقلة تكشف ملابسات ما جرى.

ضربة لمشروع بناء الجيش

ويرى محللون عسكريون أن مقتل العميد الأبارة وعدد من ضباطه شكّل ضربة قاسية لمشروع إعادة بناء جيش وطني موحد في تلك المرحلة المبكرة من الحرب.

فبحسب تقديرات عسكرية، كان اللواء 23 ميكا يعد من بين الوحدات الأكثر جاهزية في الجيش اليمني آنذاك، وكان يُعوّل عليه في تنفيذ عمليات عسكرية باتجاه مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين.

ويشير هؤلاء المحللون إلى أن غياب قيادات ميدانية تمتلك الخبرة العسكرية والتنظيمية أسهم لاحقاً في إضعاف قدرة القوات الحكومية على بناء قوة عسكرية متماسكة قادرة على إدارة العمليات في أكثر من جبهة.

عدالة مؤجلة

وبعد مرور أكثر من عقد على الحادثة، ما يزال ملف مجزرة العبر حاضراً في ذاكرة المؤسسة العسكرية اليمنية وأسر الضحايا، وسط مطالب متكررة بفتح تحقيق شفاف يكشف حقيقة ما جرى.

وأكدت أسر الضحايا في بيانات متلاحقة أن دماء أبنائهم لا ينبغي أن تتحول إلى مادة للتجاذبات السياسية، داعين إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة تكشف من أصدر الأوامر ومن قدم الإحداثيات التي أدت إلى تنفيذ الضربة.

وترى هذه الأسر أن تجاهل القضية طوال السنوات الماضية ساهم في ترسيخ حالة من الإفلات من المساءلة، وأبقى جرح الحادثة مفتوحاً في الذاكرة الوطنية.

وبينما تتغير موازين القوى والتحالفات في اليمن من حين إلى آخر، تبقى مجزرة العبر واحدة من أكثر الأحداث إثارة للأسئلة حول تعقيدات الحرب ومساراتها، وحول الكلفة الإنسانية والسياسية التي دفعتها البلاد في صراع ما يزال مفتوحاً حتى اليوم.