اللواء عبدالله الضبي.. أحد رجال الجيل العسكري الذي مهّد لثورة سبتمبر
في مطلع أربعينيات القرن الماضي، كان اللواء عبدالله الضبي واحداً من جيل نادر من الشباب اليمنيين الذين أتيحت لهم فرصة التعليم العسكري في بلد كان التعليم فيه محدوداً والنظام السياسي كهنوتياً منغلقاً.
لم تكن تلك الفرصة مجرد مسار مهني لضابط شاب، بل كانت بداية تشكّل وعي سياسي جديد داخل المؤسسة العسكرية المتواضعة، بالتزامن مع بروز جيل من الضباط الذين سيقودون لاحقاً التحول الأكبر في تاريخ اليمن الحديث.
جيل الضباط الذي اكتشف أن الجيش يمكن أن يصنع التاريخ
في ذلك الوقت، كان الضبي من بين الضباط الذين حملوا فكرة الجمهورية في زمن كانت فيه مجرد التفكير بها مغامرة محفوفة بالمخاطر. وقد مهّد هذا الجيل الطريق لأول محاولة ثورية للإطاحة بحكم الإمام يحيى حميد الدين عام 1948.
وُلد الضبي في صنعاء القديمة في يونيو/حزيران 1928، وشق طريقه إلى المدرسة الحربية عام 1944، وهي واحدة من البذور الأولى لتكوين نواة عسكرية حديثة في اليمن، تلقى تعليمه فيها على أيدي ضباط يمنيين درسوا في المدارس العسكرية التركية، إلى جانب عدد من العسكريين الأتراك الذين بقوا في البلاد.
وقد شاءت الصدف أن يكون من بين مدرسيها الضابط العراقي جمال جميل، الذي بقي في اليمن بعد مغادرة البعثة العسكرية العراقية عام 1943.
تخرج الضبي عام 1948 برتبة ملازم ثانٍ، ولم يكن مجرد ضابط شاب يلتحق بالمؤسسة العسكرية، بل كان جزءاً من جيل بدأ يكتشف مبكراً أن الجيش يمكن أن يكون أداة للتغيير السياسي. وبفضل تفوّقه الدراسي، تم تعيينه مدرساً في الكلية الحربية، قبل أن يتدرج في عدد من المواقع العسكرية والأمنية الحساسة، من بينها مدير الأمن العام ومدير كلية الشرطة.
غير أن أكثر مواقعه حساسية كان عمله سكرتيراً خاصاً لولي العهد محمد البدر وقائداً لحرسه وحاملاً للشفرة الملكية السرية، مما وضعه في قلب النظام الإمامي نفسه، وفي الوقت ذاته على تماس مباشر مع التحولات السياسية التي كانت تتشكل داخل المؤسسة العسكرية وبين الضباط الشباب الذين بدأوا يتبنون فكرة الجمهورية.
في تلك الفترة، كانت الكليات العسكرية في صنعاء وتعز تمثل بيئة خصبة لتشكل الوعي الجمهوري بين الضباط الشباب. ويصف المفكر أحمد جابر عفيف تلك المرحلة بقوله:
"في الواقع إن فكرة الجمهورية سادت وانتشرت بعد فشل حركة 55، ولا سيما في صفوف الشباب من طلاب المدارس الداخلية والمدرسة التحضيرية وبين الشباب الذين انتقلوا إلى الكلية الحربية في عام 1956م… لقد كان النظام الجمهوري هو المحور لكل ما يدور من نقاشات في أوساط هذه المجاميع من الشباب والطلاب".
من ضابط في ظل الإمامة إلى أحد رجال الدولة الجمهورية
لم يكن ذلك الوعي مجرد نقاشات نظرية، بل تحول تدريجياً إلى تنظيمات سرية داخل المؤسسة العسكرية. ويشير المناضل عبدالوهاب جحاف إلى أن طلاب الكلية الحربية بدأوا بالفعل تشكيل تنظيم سياسي داخل الجيش قائلاً:
"كانت بداية الإحساس بشكل جذري ومغاير لما كان يدور داخل الساحة اليمنية من صراعات سياسية… وكانت الحافز للتفكير نحو خلق تنظيم سياسي داخل القطاع العسكري، بحيث أن عضو التنظيم لم يكن يعرف سوى أعضاء خليته".
ومع اندلاع ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، دخل الضبي مرحلة جديدة من حياته، إذ أصبح واحداً من الضباط الذين شاركوا في بناء مؤسسات الدولة الجمهورية الوليدة، حيث عُيّن ممثلاً لليمن في القيادة العربية المشتركة عام 1962، قبل أن يتولى وزارة الداخلية عام 1964، ثم محافظاً للواء الحديدة بين عامي 1964 و1967.
عاد بعدها إلى وزارة الداخلية مرة أخرى، حيث شغل منصب وزير الداخلية والإدارة المحلية عام 1967، ثم وزيراً للداخلية بين عامي 1970 و1971، في مرحلة كانت الدولة الجمهورية لا تزال تخوض معارك تثبيت وجودها وبناء مؤسساتها الأمنية والإدارية.
وفي مطلع السبعينيات انتقل إلى وزارة الاتصالات، كما تولى رئاسة مجلس إدارة الخطوط الجوية اليمنية بين عامي 1971 و1972، قبل أن يتجه إلى العمل الدبلوماسي ممثلاً لليمن في الخارج، إذ شغل سفيراً لليمن لدى دولة الكويت بين عامي 1972 و1978، ثم سفيراً لدى المملكة الأردنية الهاشمية بين عامي 1978 و1980، وسفيراً لدى جمهورية إيطاليا بين عامي 1981 و1984، إلى جانب عمله سفيراً غير مقيم لدى يوغسلافيا في الفترة نفسها.
ولم تتوقف مسيرته عند العمل التنفيذي والدبلوماسي، إذ عُيّن مستشاراً لرئيس مجلس الوزراء ابتداءً من عام 1985، كما ترأس جمعية الإخاء اليمني المصري بين عامي 1992 و2006، وظل حاضراً في الحياة العامة بوصفه واحداً من وجوه جيل الثورة.
وقد نال الضبي خلال مسيرته عدداً من الأوسمة التقديرية، من أبرزها وسام من الزعيم المصري جمال عبد الناصر، وآخر من الملك حسين بن طلال، إضافة إلى وسام الجمهورية الإيطالية، تقديراً لدوره السياسي والدبلوماسي.
وعندما جرى تكريمه في إحدى الفعاليات الثقافية، وصفه مستشار رئيس الجمهورية الراحل الدكتور عبدالكريم الإرياني قائلاً:
"المناضل الضبي شمعة توهجت في عصور مظلمة وانتقلت إلى ساحة الثورة، فكان فارساً عنيداً وقائداً شجاعاً وصبوراً لا يحيد عن أهداف الثورة اليمنية".
إرث وطني خالد
برحيل اللواء عبدالله الضبي في أغسطس 2020 عن عمر ناهز التسعين عاماً، غاب أحد رجال الجيل الذي صنع التحول الأكبر في تاريخ اليمن الحديث؛ فقد كان من الضباط الذين عاشوا زمن الإمامة، وشاركوا في إسقاطها، ثم أسهموا في بناء الدولة الجمهورية والدفاع عنها في أصعب مراحلها، ليترك سيرة طويلة من العمل العسكري والسياسي والدبلوماسي تشهد على جيل آمن بأن التغيير ممكن حتى في أكثر اللحظات ظلمة.