من الحارات إلى الجبهات.. كيف صنع أبناء عدن ملحمة التحرير؟

2026-03-12 17:50 الهدهد- فؤاد مسعد:
من الحارات إلى الجبهات.. كيف صنع أبناء عدن ملحمة التحرير؟

في الخامس والعشرين من شهر مارس/آذار من العام 2015 بدأت مليشيات الحوثيين مهاجمة مدينة عدن من جهتي الشمال والشمال الشرقي، بعد سيطرتها على قاعدة العند الاستراتيجية ولحج شمال عدن. وسهلت القوات الموالية لصالح مهمة الحوثيين في السيطرة على مداخل المدينة والوصول إلى مطار عدن الدولي الواقع في منطقة خورمكسر وسط عدن.

ما إن وصلت قوات الحوثيين إلى المطار ومعسكر اللواء 39 مدرع، حتى بدأت المواجهات بين القوات الغازية من جهة ومجموعات من المواطنين الذين تجمعوا في المناطق القريبة من المطار لمواجهة قوات الحوثي والعناصر المسلحة التي حاولت التسلل إلى الأحياء السكنية في جنوب المطار الذي توقف عن العمل منذ صباح اليوم نفسه.

اعتمد أبناء المدينة الذين انخرطوا في المقاومة على الأسلحة والآليات الشخصية، بينما كانت المليشيا الانقلابية تمتلك قوة ضاربة وأسلحة متنوعة هي في الأساس سلاح الجيش اليمني الذي استولت عليه بعد الانقلاب وإسقاط العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014.

في هذه الأيام – أواخر شهر رمضان المبارك – يحتفي أبناء عدن بالذكرى الـ11 لتحرير المدينة باستحضار جوانب مضيئة في تاريخ المقاومة وتضحيات أبطالها الذين لبوا نداء الواجب فهبوا للدفاع عن عدن، مستعدين لبذل الغالي والنفيس من أجل تطهير الأرض من دنس المليشيا وإجرامها.

في البداية تحدث القائد حسام الدين الحيدري – أحد قادة حرب تحرير عدن – قائلاً: بدأت المقاومة عن طريق مجموعة من الشباب، وهم من المدنيين الذين لم يسبق لهم التعامل مع السلاح، ولم يكن معهم سوى أسلحتهم الشخصية، وكانت تتشكل مجموعات المقاومة على مستوى الحارات والأحياء السكنية.

ورغم فارق التسليح والإمكانات لدى المقاومة مقارنة بالمليشيا الانقلابية، فإن المقاومة صمدت أكثر من شهر ومنعت الحوثيين من التقدم والسيطرة على مناطق جديدة.

حصار كريتر وتضحيات الأبطال

وأضاف الحيدري في حديثه لـ"الهدهد": كنا في مقاومة كريتر نعاني جراء الحصار الذي فرضته مليشيا الحوثي، لكننا لم نستسلم رغم قلة الغذاء والدواء واستحالة وصول السلاح إلينا، ومع ذلك ظلت المقاومة تحمي كريتر حتى سقطت قيادة المنطقة العسكرية الرابعة ومقرها في التواهي (جنوب غرب عدن) في بداية شهر مايو.

وتعرضت كريتر لهجوم مكثف شنته المليشيا، ونشبت معارك عنيفة استمرت ثلاثة أيام متتالية، نجم عنها اقتحام كريتر وانسحاب المقاومة بعد استشهاد قرابة خمسين من أفرادها.

وعن التضحيات التي قدمها أبناء عدن يقول الحيدري إن مليشيا الحوثي قتلت الكثير من المواطنين خلال اجتياح عدن، وأكثرهم مدنيون، وبعضهم ارتقوا شهداء وسط المعارك وسطروا بدمائهم مواقف خالدة وبطولات لا يمكن أن تُنسى.

ومن بينهم الشيخ زكريا باحكيم بطل كريتر الذي فك الحصار الذي فرضه الحوثيون على زملائه المقاومين في جبل شمسان وسقط شهيداً صابراً محتسباً، ومحمد ثابت الذي قاتل واشتبك مع الحوثيين واقتحم متارسهم حتى استشهد وهو يقاتلهم من المسافة صفر، وهاني بوشة بطل حارة القاضي الذي واجه المليشيا وأوقع بينهم الخسائر.

كما كان خالد جزر، الذي لم يكن يملك أي سلاح، يساعد المقاومة في توفير الماء وإعداد الذخيرة وتعبئة الأسلحة، وكذلك المحامي البطل إيليا عمراوي، وأبناء حارة القطيع الأبطال: عمر البطر وسهيل ومحمود السيد ووافي. وهناك كثير من الأبطال والشهداء الذين يطول ذكرهم وقد يصل عددهم إلى 200 شهيد في كريتر وحدها.

وخلال المعارك برز عدد من الأبطال الذين كانوا يقودون المعارك في كل حارة في مختلف جبهات عدن، وفي جبهة كريتر على وجه الخصوص، منهم (إمام) في الطويلة، و(فتحي رمضان) في حي العيدروس، و(أحمد الشرا) في حي القطيع، و(واضح عقيل) في سكنية القطيع، و(فتاح جماجم)، والشيخ (محمد مهدي) إمام مسجد الشنقيطي، وغيرهم كثير.

من الجبهات إلى لحظة التحرير

عن جبهة حجيف بين المعلا والتواهي، تحدث الشاب جميل قاسم الذي كان هناك ضمن مجموعة من أبناء المقاومة يخوضون حرباً غير متكافئة ضد المليشيا.

ورغم الفارق بين الطرفين صمد أبطال المقاومة حتى استشهد عدد منهم بينهم قائد المجموعة الشهيد أحمد الدجح، وأصيب آخرون، كان بينهم جميل الذي أفاد أن المقاومة انسحبت بعدها إلى جبهات أخرى وواصل أفرادها استبسالهم في مواجهة الحوثيين حتى تكللت المعارك بتحرير عدن.

وشكّل إعلان التحالف العربي وانطلاق عملية "عاصفة الحزم" لدعم الشرعية اليمنية أواخر مارس من العام نفسه محطة تحول في مسار الحرب والمقاومة، بفعل الدعم الذي حصلت عليه مقاومة عدن من قيادة التحالف ممثلة بالمملكة العربية السعودية.

احتضنت الجبهات المشتعلة أفراد المقاومة القادمين من كريتر والتواهي وخورمكسر والمعلا، وفي أواخر شهر رمضان جاءت التوجيهات من العميد عبدالله الصبيحي قائد معركة السهم الذهبي بالاستعداد لاقتحام المناطق التي يحتلها الحوثيون، وكان أفراد المقاومة من مختلف مناطق عدن على أهبة الاستعداد.

وانطلقت كتائب التحرير صوب مطار عدن، وهناك تكبدت المليشيا خسائرها ومنيت بالهزيمة الكبرى التي كانت مقدمة لهزائم متتالية، وذلك في اليوم الـ27 من رمضان 1436هـ، الموافق 14 يوليو 2015.