أزمة رواتب الجيش الوطني تتفاقم: خمسة أشهر بلا مرتبات مقابل صرفها للتشكيلات غير النظامية
في الوقت الذي تم فيه صرف مرتبات التشكيلات العسكرية غير المنضوية تحت إطار وزارة الدفاع، لا يزال الجيش الوطني التابع للوزارة بلا رواتب للشهر الخامس على التوالي، رغم الوعود المتكررة التي لم تنعكس على أفعال حتى الآن، مع اقتراب عيد الفطر المبارك.
صرف رواتب التشكيلات غير النظامية مقابل تأخر رواتب الجيش
وخلال الأيام الماضية تم صرف مرتبات التشكيلات العسكرية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المُنحل، رغم أن هذه القوات كانت قد تمردت على الحكومة المعترف بها دولياً في محافظة حضرموت منذ ديسمبر الماضي قبل خروج قوات الانتقالي من المحافظة مطلع يناير الماضي. وتضم هذه التشكيلات عشرات الآلاف من الجنود والضباط، وقد تأسست تحت مسميات مختلفة مثل الحزام الأمني وقوات العمالقة وغيرها.
وظلت دولة الإمارات على مدى سنوات تتولى دفع مرتبات هذه القوات، إذ يحصل الجندي فيها على ما لا يقل عن ألف ريال سعودي، بينما يحصل الضباط – كل بحسب رتبته – على مبالغ أكبر. كما حصلت قوات المقاومة الوطنية التي يقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي العميد طارق صالح على رواتبها بالريال السعودي أيضاً، وينطبق الحال ذاته على قوات درع الوطن وقوات الطوارئ وقوات المنطقة العسكرية الثانية ومقرها المكلا.
في المقابل، لم يستلم منتسبو الجيش الوطني في محافظة مأرب وأجزاء من محافظة الجوف، ضمن مناطق عسكرية متعددة مثل المنطقة العسكرية الثالثة والسادسة والسابعة، إضافة إلى الجيش الوطني الموجود في محافظة تعز، والذي يتبع المنطقة العسكرية الرابعة، رواتبهم للشهر الخامس على التوالي، رغم أن راتب الجندي في هذه القوات لا يتجاوز 60 ألف ريال يمني، وهو راتب متدنٍ أصلاً ولا يُصرف بانتظام.
ورغم الوعود التي صدرت خلال الفترة الماضية، ورغم إعلان الحكومة التزامها بدفع مرتبات موظفي الدولة المدنيين والعسكريين، خصوصاً بعد الدعم المالي السعودي المخصص لتغطية مرتبات موظفي الدولة لمدة عام، وبدءها فعلياً في دفع مرتبات بعض التشكيلات العسكرية غير المنضوية ضمن هيكل وزارة الدفاع، فإن هذا المسار توقف عند حدود تلك القوات ولم يصل إلى الجيش الوطني، وهو ما خلق حالة من الاستياء الشديد في صفوف الجنود والضباط الذين يشكون معاناتهم بمرارة ويشعرون بخذلان من الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي ووزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة.
تأخير الرواتب… أزمة متكررة منذ سنوات
ولم تكن مشكلة الرواتب المتأخرة بالنسبة للجيش الوطني جديدة، بل كانت تمثل نمطاً متكرراً خلال السنوات الماضية، حيث تأخر صرف الرواتب في كثير من الأحيان ما بين ثلاثة إلى خمسة أشهر. وكان يتم تقديم مبررات يراها كثيرون غير منطقية، مثل وجود كشوفات وهمية لم يتم تصفيتها رغم نزول لجان متعددة للفحص بالبصمة والعين، إلا أن الوضع لم يتغير بعد ذلك.
تأخير الرواتب قرار سياسي لإضعاف المؤسسة العسكرية
وفي سياق تفسير أسباب تكرار أزمة الرواتب، قال الصحفي سيف الحاضري، رئيس تحرير مؤسسة الشموع للصحافة ورئيس تحرير صحيفة أخبار اليوم، إن أزمة تأخير رواتب منتسبي الجيش لم تكن في يوم من الأيام مجرد مشكلة إدارية، بل تعكس – في جوهرها – قراراً سياسياً انعكس سلباً على أوضاع المؤسسة العسكرية.
وأوضح الحاضري في تصريحات لمنصة "الهدهد" أن الوقائع خلال السنوات الماضية تشير إلى أن تأخير الرواتب استخدم كأداة للضغط على الجيش ومحاصرته مالياً وإدارياً، وهو ما أدى إلى إضعاف قدرته المؤسسية وخلق أزمات متراكمة داخل صفوفه.
وأشار إلى أن المسؤولية عن هذا الملف تتوزع وفق التسلسل الهرمي للسلطة، بدءاً من رئاسة الجمهورية سابقاً ومجلس القيادة الرئاسي حالياً بصفتهما القيادة العليا للقوات المسلحة، مروراً برئيس الحكومة ووزير المالية، وصولاً إلى وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان.
وأضاف الحاضري أن وزارة المالية أبدت منذ عام 2018 تعنتاً واضحاً في التعامل مع ملف رواتب الجيش، من خلال التدخل في تفاصيل لا تدخل – بحسب قوله – ضمن صلاحياتها المباشرة، رغم أن الجيش مؤسسة سيادية يفترض أن تحظى بخصوصية في إدارة شؤونها المالية.
ولفت إلى أن صمت الرئاسة وعدم حسم هذا التعنت فُسِّر عملياً على أنه قبول ضمني باستمرار هذا الوضع، في وقت كانت فيه الحكومة تبرر عدم تدخلها لمعالجة مشاكل الجيش بالقول إن التحالف سيتولى مسؤولية توفير احتياجاته، وهو ما اعتبره الحاضري أحد الأخطاء التي أدخلت المؤسسة العسكرية في حالة من الارتهان.
كما أشار إلى أن الصراع السياسي الداخلي ساهم في تعقيد هذا الملف، حيث أصبحت المؤسسة العسكرية – بحسب تعبيره – ضحية لتصفية الحسابات بين القوى السياسية، إضافة إلى حملات إعلامية هدفت إلى تشويه صورة الجيش وخلق مبررات لمحاصرته مالياً وسياسياً.
وأكد الحاضري أن الحكومات المتعاقبة ووزراء المالية يتحملون مسؤولية مباشرة في ما وصل إليه وضع الرواتب، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان تتحملان جزءاً من المسؤولية بسبب عدم اتخاذ موقف حازم تجاه هذه السياسات.
وأضاف أن الحكومة، خلال السنوات الماضية، لم توفر للمؤسسة العسكرية سوى رواتب ناقصة، ما اضطر وزارة الدفاع وهيئة الأركان إلى اللجوء إلى آلية “الترحيل الشهري” لتغطية العجز، وهو ما أدى إلى تراكم مبالغ كبيرة.
وأوضح أن المشكلة لا تقتصر على الرواتب فحسب، بل تمتد إلى غياب الميزانية التشغيلية لوزارة الدفاع، حيث تعمل وحدات الجيش – بحسب قوله – دون توفير احتياجات أساسية مثل قطع الغيار، ومعالجة الجرحى، ومواجهة الحالات الطارئة، وتغطية المتطلبات اللوجستية.
وختم الحاضري بالقول إن استمرار ترحيل أزمات الجيش ومشكلاته المالية قد أوصل الوضع إلى مرحلة خطيرة، محذراً من أن تجاهل هذه الأزمة قد يقود إلى تداعيات كبيرة، ومؤكداً أن معالجة ملف الرواتب أصبحت ضرورة وطنية عاجلة لا تحتمل مزيداً من التأجيل.
المشكلة في الحكومة لا في كشوفات الجيش
وعند سؤال مصدر في الجيش بمحافظة مأرب عن أسباب تأخير صرف الرواتب، قال المصدر – الذي اشترط عدم ذكر اسمه – إن المشكلة لا تتعلق بالجيش بقدر ما ترتبط بالحكومة نفسها. وأضاف في تصريحات لمنصة "الهدهد" أن صرف الرواتب كان يتأخر باستمرار رغم المراسلات المتكررة التي كانت تتم مع الحكومة عبر رؤساء الحكومات المتعاقبين وكذلك وزراء المالية.
ورداً على سؤال حول ما إذا كانت المشكلة تتعلق بوجود أسماء وهمية، قال المصدر إن هذا التبرير غير صحيح، رغم اعترافه بوجود أسماء وهمية في مختلف التشكيلات العسكرية النظامية وغير النظامية، مؤكداً أن الحكومة تعرف ذلك، وأن هذا المبرر يُستخدم فقط للهروب من مسؤولية صرف المرتبات شهرياً. وأشار إلى أنه تم رفع كشوفات دقيقة وتم فحصها، ومع ذلك لم يتم الاستجابة وصرف المرتبات.
وأضاف أن الأزمة تتفاقم من عام إلى آخر، إذ تم تقليص نفقات الجيش المتعلقة بالتغذية والصيانة واللوجستيات والطوارئ وتكاليف علاج الجرحى، وهي قضايا مهمة لا يجري الحديث عنها كثيراً، بينما تبقى مسألة الرواتب هي الأولوية بالنسبة للجنود والضباط.
وأشار المصدر إلى أنه كان هناك أمل بأن يتزامن صرف مرتبات التشكيلات العسكرية غير النظامية مع صرف مرتبات الجيش الوطني خلال الفترة الماضية، لكن ذلك لم يحدث، وكانت المفاجأة بالنسبة لهم – بحسب قوله – أن الرواتب وصلت إلى تلك التشكيلات ولم تصل إلى الجيش الوطني، دون معرفة الأسباب التي أدت إلى ذلك.
وفي تعليق على تصاعد المطالبات بصرف الرواتب، قال رضوان مسعود، رئيس الهيئة الوطنية للأسرى والمختطفين، إنه تواصل مع مصدر مطلع على ملف الرواتب بحثاً عن بارقة أمل في ظل تفاقم الأزمة.
وأوضح مسعود في منشور عبر صفحته على موقع فيسبوك أن المعلومات التي حصل عليها تشير إلى أن كشوفات الرواتب أصبحت جاهزة بالكامل، إلا أن غياب السيولة لا يزال يمثل العائق الرئيسي أمام عملية الصرف.
وأشار إلى أن صمت الجهات المعنية وعدم إصدار توضيحات رسمية للرأي العام خلق حالة من الفراغ سمحت بانتشار الشائعات وتداول أخبار متضاربة بشأن الرواتب.
وتساءل مسعود عن أسباب تكرار أزمة تأخير الرواتب سنوياً، خصوصاً مع اقتراب الأعياد، قائلاً:
"لماذا تتكرر أزمة الرواتب في كل عام قبيل الأعياد؟ ولماذا لا توجد حلول استباقية تمنع هذا الارتباك المتكرر في توقيتات حساسة؟"
وأضاف أن المؤسسة العسكرية تقوم في الأساس على الانضباط والترفع عن الاحتجاجات، حتى الإعلامية منها، إلا أن ارتفاع الأصوات المطالبة بالرواتب في الفترة الأخيرة لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة لتفاقم الضغوط المعيشية التي يواجهها الجنود وأسرهم.
من جانب آخر، قال مصدر عسكري إن الأسباب التي تتحدث عن وجود ضائقة مالية أو شح في السيولة، رغم أنها تبدو منطقية إلى حد ما، إلا أنه يرى أن استمرار عدم صرف رواتب الجيش في مأرب يثير الكثير من علامات الاستفهام، خاصة أن هذه القوات منذ البداية وعلى مدى سنوات كانت رواتبها – رغم تدنيها – لا تُصرف أحياناً إلا كل ثلاثة أشهر.
وفي المقابل، لم توضح الحكومة حتى الآن على لسان أي مسؤول أسباب تأخير صرف رواتب الجيش، رغم صدور تصريحات متكررة تشير إلى قرب صرف المرتبات.
وخلال الفترة الماضية نُقل تصريح عن وزير الدفاع الجديد أشار فيه إلى وجود عشرات الآلاف من الأسماء الوهمية في كشوفات القوات المسلحة، مؤكداً أن العمل جارٍ لتنقية هذه الكشوفات من الأسماء الزائدة.
وفي الوقت نفسه كانت هناك حملات تنتقد ازدواجية الرواتب بين التشكيلات العسكرية المختلفة، والتي تكرّس مبدأ عدم المساواة والفروقات الكبيرة بين القوات. ففي الوقت الذي يتقاضى فيه جنود الجيش التابع لوزارة الدفاع رواتبهم بالريال اليمني وبمبالغ متدنية، تتقاضى التشكيلات غير النظامية مبالغ أكبر وبالريال السعودي.
واستمر هذا الوضع دون تغيير رغم تعاقب الحكومات وتكرار الوعود بالمعالجة، وسط استغراب البعض من اهتمام مجلس القيادة الرئاسي والحكومة بالتشكيلات غير النظامية من خلال الحرص على صرف رواتبها وتجنب أي مشاكل لها، في حين لا يتم الالتفات لمعاناة الجيش الوطني في مأرب أو تعز.
ويطرح البعض تساؤلات عما إذا كان صرف الرواتب لتلك التشكيلات يمثل مكافأة لقوات تمردت على الحكومة، مقابل تهميش القوات التي لا تزال تقاتل دفاعاً عنها.